السبت، 13 ديسمبر 2025

اكتسب عادة القراءة

 كيف تتدرج في قراءة كتب الأدب؟


القراءة الأدبية رحلة ذوق قبل أن تكون سباق معرفة، وكل رحلة ذكية تبدأ بخطوة مريحة، لا تقطع النفس ولا تشعر القارئ بأنه دخيل على اللغة. إليك مسارا عمليا ومتدرجا لقراءة الأدب العربي، يبني الذائقة ويقوي الفهم دون إرهاق أو انقطاع.


أولا: ابدأ بما يشبهك لغويا وزمنيا

في هذه المرحلة، لا تبحث عن التعقيد، بل عن الألفة. الهدف أن تعتاد الجملة الأدبية، وأن تتصالح مع الإيقاع قبل أن تطلب العمق.


من القراءات المناسبة:

مصطفى صادق الرافعي – وحي القلم (مختارات).

الأفضل اختيار مقالات قصيرة في البداية، فالنص المقتضب يربي النفس ولا يرهقها.


المنفلوطي – النظرات والعبرات.

لغة عاطفية واضحة، تفتح باب الأدب دون استئذان.


جبران خليل جبران – الأجنحة المتكسرة أو العواصف.

نثر شفاف، بسيط، ومشحون بالإحساس.


غاية هذه المرحلة:

تنمية الذائقة، فهم الأساليب، والتعود على جمال الجملة العربية.


ثانيا: العبور الهادئ إلى التراث المبسط

بعد أن تألف القراءة، يحين وقت الاقتراب من الأدب الكلاسيكي بلغة أقوى، لكنها ما تزال ودودة.


من الكتب المناسبة:

مقامات الهمذاني (مختارات مشروحة بلغة يسيرة).


الجاحظ – البيان والتبيين (مختارات مشروحة).


ابن المقفع – الأدب الكبير والأدب الصغير.

أسلوب مكثف، لكنه واضح، وجمله قصيرة لا تثقل القارئ.


الهدف هنا:

توسيع المفردات، واكتشاف البلاغة العربية في صورتها الأولى.


ثالثا: الأدب الكلاسيكي العميق

حين تشعر أن اللغة لم تعد حاجزا، بل جسرا، يمكنك التوغل في النصوص الكبرى التي شكلت قمة البيان العربي.


من القراءات المقترحة:

رسائل الجاحظ (غير المختصرة).


ابن قتيبة – عيون الأخبار.


الأغاني للأصفهاني (قراءة منتقاة، لا كاملة).


ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون بشرح معاصر، لما تجمعه من أدب وتاريخ وفكر.


الغاية:

الاقتراب من العقل العربي في لحظات نضجه، وفهم كيف كتب الكبار، وكيف فكروا.


رابعا: الأدب العربي الحديث والمتخصص

بعد هذا التأسيس، تصبح القراءة متعة خالصة، وتتنوع الخيارات دون خوف من الضياع.


من ذلك:

طه حسين – الأيام.


العقاد – ساعات بين الكتب أو عبقريات العقاد.


نجيب محفوظ – روايات الثلاثية أو اللص والكلاب.


أدب الرحلات: ابن بطوطة، أمين الريحاني، المسعودي (مختارات).


الهدف هنا:

تنويع التجربة، وبناء رأي نقدي، وتكوين ذاكرة ذوقية خاصة بك.


كيف تدير هذه الرحلة؟

ابدأ بكتاب قصير، وأتمه حتى النهاية، فالاكتمال يصنع الثقة.

ارجع إلى الشروح عند الحاجة فقط، دون إفراط يفسد المتعة.

دون المفردات الجديدة مع سياقها، فالكلمة بلا سياق يتيمة.

اقرأ بتمهل، فالأدب يذاق ولا يلتهم.

نوع بين النثر، والسرد، والشعر، حتى تظل الروح يقظة.


نسأل الله لنا ولكم الإخلاص قولا وعملا.


محمد ولد إمام 

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

ماذا يعني فوز زهران ممداني لنا مسلمين وعربا؟

 

Zohran Mamdani


في مساء غير ملامح السياسة في نيويورك، خرج زهران ممداني من حدود التوقع إلى فضاء الإمكان، لا بوصفه سياسياً جديداً فحسب، بل كرمز لتحول عميق في الوعي الجمعي لمدينة كانت تُعرف بصلابة منظومتها ونفوذ لوبياتها.

فوزه هذا لم يكن مجرداً من الدلالات لكنه كان لحظة تنطق بأن التنوع يمكن أن يتحول من شعار إلى واقع ملموس، وأن المدينة التي كانت تُدار من علٍ بدأت تُصغي أخيراً إلى نبض شوارعها.

في لحظة تاريخية غير مسبوقة فاز زهران ممداني، ذو الأربعة والثلاثين ربيعاً، مرشح الحزب الديمقراطي بمنصب عمدة مدينة نيويورك، مسجلاً سابقة أخرى كأصغر من يتولى هذا المنصب منذ أكثر من قرن، وأول عمدة مسلم لأكبر مدينة أمريكية.

وُلد ممداني في أوغندا لأب أكاديمي من أصول هندية وأم من جنوب آسيا، قبل أن ينتقل صغيراً إلى نيويورك، المدينة التي ستصبح لاحقاً ميدان تجربته السياسية والإنسانية. في حملته الانتخابية لم يسعَ إلى التجمل بالعبارات التقليدية ولا إلى مسايرة الخطاب السائد، بل قدم نفسه كما هو: مسلماً، مهاجراً، تقدمياً، ومؤمناً بأن العدالة الاجتماعية لا تتجزأ.

ومن بين أقواله التي وجدت صدى واسعاً قوله: «أنا أترشح لعمدة نيويورك، لا سفيراً لإسرائيل». كانت تلك الجملة كافية لتفتح عليه أبواب الهجوم من دوائر النفوذ، لكنها في الوقت نفسه جعلته رمزاً لشجاعة الموقف، وصوتاً جديداً داخل المدينة التي تُعد المعقل الأكبر للوبي الصهيوني خارج إسرائيل.

يرى ممداني أن السياسة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن العدالة في غزة مثلها مثل العدالة في برونكس أو كوينز، كلاهما امتحان لضمير العالم.

رفض الاعتراف بإسرائيل دولةً «يهوديةً» خالصة، مؤكداً أن الشرعية لا تُبنى على الإبادة والتمييز، بل على المساواة.

لم يكن يخشى تسمية الأشياء بأسمائها، فوصف ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية تُنفذ بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين»، وكشف أن صناديق تقاعد المدينة تستثمر مليارات الدولارات في سندات إسرائيل وشركات السلاح، معتبراً ذلك تمويلاً للقتل على حساب فقراء نيويورك.

بهذه الصراحة الصادمة قلب موازين الخطاب السياسي في عاصمة المال والإعلام، ليعلن أن مناهضة الاحتلال ليست شأناً خارجياً بل مسألة داخلية تمس روح العدالة الأمريكية نفسها.
إن فوز زهران في قلب نيويورك يحمل كثيراً من الرمزية لمن كان له وعي، فقد أحدث تصدعاً في قداسة الولاء لإسرائيل داخل الوعي الأمريكي، وفيه إشارة إلى أن ميزان الأخلاق بدأ يميل حيث يجب أن يميل.

يمثل زهران ممداني جيلاً جديداً من الساسة الذين يرون في المنصب وسيلة لا غاية، وفي السياسة ضميراً لا مهنة. إنه ابن مدينة تتغذى على التنوع، ويبدو أنه أدرك أن القيادة ليست في الصوت العالي لكنها في القدرة على الإصغاء للناس.

إن فوزه يذكر بأن التحول يبدأ حين يؤمن المواطن بأن صوته يساوي شيئاً، وأن المدينة، مهما بلغت صلابتها، لا يمكن أن تظل محصنة أمام الحقيقة إلى الأبد.

لقد جاء هذا الفوز ليقول للعالم إن العدالة لا جنسية لها، وإن الضمير يمكن أن ينتصر حتى في قلب العاصمة غير الرسمية للوبي الصهيوني.

إنه حدث يتجاوز السياسة إلى ما يشبه الإلهام الإنساني، وكأن نيويورك — المدينة التي لا تنام — قد استيقظت أخيراً على حقيقة جديدة: أن فلسطين لم تعد تهمة الخيانة، بل هي مقياس العدالة.

محمد ولد إمام

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

قيمة الوقت.. حين ندرك أننا نعيش على رصيد ينفد!

 
قيمة الوقت.
 قيمة الوقت.

الزمن ليس ما يقوله التقويم، بل ما يتسرب من بين أيدينا ونحن نظن أننا نملكه.

لو تأملت يومك حق التأمل، لاكتشفت أنك لم تعش منه إلا لحظات قليلة.

النوم يأخذ ثلثه، والانتظار يأكل ثلثه الآخر، والباقي تلتهمه الشاشات والمجاملات والمهام الصغيرة التي لا تترك فينا أثرا.

الحياة الحقيقية، إذن، ليست في عدد الساعات، بل في الوعي الذي نحياه في تلك الساعات.

كل لحظة نعيشها هي استثمار في أنفسنا، إما يضاعف قيمتنا أو يستهلكها.

هناك أعمال تتراكم، وأخرى تتبدد.

القراءة، التأمل، العمل الصادق، هذه كلها تثمر مع الأيام.

أما الفراغ أو والانشغال الدائم بالتوافه دون معنى، فهو كما قال أحد الحكماء: «كمن يحرث البحر».

وقد أقسم الله تعالى بالزمن فقال: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر»، لأن الخسارة الكبرى ليست في المال ولا في الصحة، بل في الوقت الذي يضيع دون أن نصنع به حياة.

قال الحسن البصري: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك».

وكل يوم يذهب دون أن يثمر خيراً أو معرفة أو أثرا، إنما هو قطعة من وجودنا تتساقط بصمت في بئر النسيان.

 

في هذا العصر المتسارع، أصبحنا نحسن إدارة أجهزتنا أكثر من إدارة أعمارنا.

نضبط المنبهات والمواعيد، نتابع المهام والرسائل، ونغفل عن حقيقة بسيطة: أن الساعة التي تمضي لا تعود، وأن أخطر أنواع الغياب هو الغياب عن لحظتك.

قال أبو الطيب المتنبي: "وذي الدار أخون من مومس
وأخدع من كفة الحابل

تفانى الرجال على حبها

وما يحصلون على طائل"

 فالزمن لا ينتظر من أضاعه، ولا يرحم من سوف به.

 

نحسب الربح والخسارة في المال، وننسى أن رأس مالنا الحقيقي هو الدقائق التي نحياها بصدق.

قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

فما أكثر من يبدد وقته في طلب ما لا يزيده إلا فراغاً أكبر مما بدأ به.

 

كان المفكر الأمريكي إرنست بيكر يعيش تجربة مختلفة مع الزمن.

في سنواته الأخيرة، أصيب بمرض عضال، وبينما كان الجسد يضعف، اشتعلت فيه الرغبة في الفهم.

كتب وهو على فراش المرض كتابه الشهير «إنكار الموت»، ليقول فيه إن الإنسان لا يهرب من الفناء بالإنكار، بل بالمعنى.

رأى بيكر أن الإنسان، في وعيه أو لا وعيه، يسعى إلى ما سماه «مشروعات الخلود» — تلك الأعمال التي تجعل للحياة ظلا بعد الرحيل: كتاب يخلد، علم ينتفع به، ابن صالح، فكرة تورث، أو حب يترك أثره في الناس.

وكان يقول: «كل شيء في حياتنا تتحدد قيمته بمدى قدرته على البقاء بعد موتنا».

 

تأملْ هذا المعنى، وستدرك أنه ليس بعيدا عن جوهر الإسلام نفسه، إذ يقول الله تعالى:

«إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم».

إنها الآثار إذن... ما تبقى منك حين لا يبقى منك شيء.

 

يقول الفيلسوف الآخر: «المشكلة ليست في أن وقتك قليل، بل في أنك لا تعرف كيف تنفقه»، لم يكتشف جديداً بقدر ما أعاد إلينا ما نسي من الحكمة القديمة:

أن الوقت ليس وعاءً نملؤه، بل هو حياة تزهر كلما سقيت بالنية والمعنى.

قال ابن القيم رحمه الله: «الوقت هو حياتك، وهو ظلك الراحل عنك».

وكل لحظة تمر هي خطوة نحو الغياب، فإما أن تترك وراءك صدى، أو فراغا.

في نهاية المطاف، لا أحد ينجي نفسه من الموت، لكن بعض الناس ينجون من النسيان.

يموت المرء مرتين: حين يُوارى في التراب، وحين يُمحى أثره من الذاكرة.

 

حين أنظر إلى الوراء، أرى أن أجمل أوقاتي لم تكن تلك التي ضحكت فيها كثيرا، بل تلك التي فهمت فيها شيئا عن نفسي أو عن العالم.

تلك اللحظات التي فهمت فيها معنى غير نظرتي، أو قرأت فيها كتاباً أنار بصيرتي.

تلك اللحظات كانت زمناً خالصا للروح، لا يقاس بالساعات بل بالأثر.

 

يقولون: «الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك».

لكن السيف ليس قاتلا بالضرورة، فقد يكون نحاتا يصوغك مع الأيام.

وكل ما عليك أن تفعل هو أن تمسكه بوعي، وأن تعرف فيم تستهلك عمرك.

 

الحياة لا تقاس بطولها، بل بكثافتها.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الوقت، بل إلى مزيد من المعنى فيما نفعل بالوقت الذي بين أيدينا.

فالذين عرفوا قيمة الزمن لم يعيشوا أعماراً أطول، لكنهم عاشوها بشكل أعرض، كأنهم استخرجوا من كل لحظة لبها الصافي وتركوا القشرة للآخرين.

 

فيا أصدقاء، لنجعل من وقتنا وقفا لمعنانا، ومن أعمارنا مشروعات خلود.

ولنتذكر أننا لن نحاسب على كم عشنا من الزمن بل على كيف عشنا ذلك الزمن.

فمن أحسن استثمار وقته فقد كتب فصولا من الخلود في هامش الفناء.

محمد ولد إمام 

اختراق

الاثنين، 27 أكتوبر 2025

ذكريات من معارض الكتب!

 

خلال حفل توقيع "كشكول الحياة" بعرض الدوحة للكتاب 2020



لم تكن معارض الكتاب بالنسبة إلي مجرد أسواق لبيع الورق، لكنها كانت عوالم صغيرة تفيض بالحلم والدهشة واللقاءات التي لا تنسى، أشبه بمواسم صيد الغزلان، حيث تنبت الكتب على الرفوف كما تنبت الأزهار في الحدائق، ويصبح الهواء أثقل بالمعرفة وأخف بالفرح.

 

أول المعارض التي علقت في ذاكرتي كانت معارض القاهرة الدولية أيام دراستي بالقاهرة. كانت تلك السنوات محطات مهمة وشائقة من العمر، حملت منها رائحة الورق وأصوات الباعة وضحكات الأصدقاء، ورغبة عارمة في أن أمتلك الدنيا كلها بين دفتين.

 

كنت أتجول بين الأجنحة كما يتجول طفل في متجر حلوى، أضع ميزانيتي الصغيرة في جيبي، وأحاول أن أشتري بها ما لا يشترى. كانت المنحة تتأخر، والأسعار ترتفع، ورفوف الكتب تغويني كأنها كنوز من زمن غابر.
أتذكر أول نسخة من ديوان أبي الطيب، ومن حديث الأربعاء لطه حسين، ومن القاموس العملاق Longman Language Activator.

أتذكر تلك اللحظات كأنها عيد صغير، فقد كنت أراها بوابة إلى عالم جديد ومثير، أقلب صفحاتها كمن يتعرف على القارة الأولى في حياته.

وأتذكر كيف أغرمت بدواوين نزار قباني، وخصوصاً الأعمال السياسية، تلك التي كانت تتنفس بمرارة زمنها وتمرد شاعرها. كانت قصائده تربكني وتحرضني وتشعل شيئاً في داخلي لم أكن أعرف له اسماً بعد.

ومن أجنحة دار الهلال خرجت محملاً بترجمات لأسماء كنت أتهجاها ببطء: دوستويفسكي، تولستوي، نوبوكوف... كنت أفتح كتبهم كما يفتح باب على قارة بعيدة، وأغلقها وقد تغير شيء في نظرتي إلى الإنسان والعالم والمصير.

 

ثم هناك مرتعي ومجر عوالي، أي سور الأزبكية حيث الكتب المستعملة الرحيمة بجيوبنا نحن الطلبة، وفيها يجد الباحث مبتغاه وربما عدت بكتاب عليه إهداء أو عبارات حب ولعل شخصا باع كتبه لدواعٍ قاهرة كما عدت الضرورة الأديب الفالي إلى بيع كتاب الجمهرة فكتب أبياته الشهيرة:

أنست بها عشرين حولا وبعتها
وقد طال وجدي بعدها وحنيني   

 وما كان ظني أنني سأبيعها

ولو خلدتني في السجون ديوني   

 ولكن لعجز وافتقار وصبية

صغار عليهم تستهل شؤوني    

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك

كرائم من رب بهن ضنين..

ويقال إن تلك النسخة وقعت في يد الشريف المرتضى فأعادها إليه مع ثمنها.
وفي سور الأزبكية ربما صادف المرء أشياء من هذا النوع.

وعند شراء الكتب المستعملة أشعر دائماً أن بين دفّات تلك الكتب أنين من مروا قبلي، وبصماتهم الخفية على الورق.


معرض الدوحة الدولي للكتاب 2020

فكنت أعود من المعرض مثقلاً بالكتب وخفيفاً من الهم، كأنني اشتريت خلاصاً مؤقتاً من ثقل العالم. أحياناً كنت أشتري الكتاب نفسه مرتين، وأقول في نفسي: “لا بأس، ستكون واحدة للقراءة، وأخرى للهدايا.”

 

مع مرور السنوات صرت أضع خطة لكل معرض أزوره: يوم أول للاستطلاع، ويوم ثان للاقتناء، ويوم أخير للمساومات والصفقات الرخيصة، حين تحاول دور النشر التخلص من أثقالها قبل الرحيل. كانت تلك اللحظات في آخر يوم من المعرض تشبه وداع صديق قديم لا تعرف متى تلقاه من جديد.

 

زرت بعد تلك السنوات معارض شتى وأقمت حفلات توقيع لبعض دواويني ولكتاب كشكول الحياة، ولكل معرض نكهته وسحره. غير أن القاهرة كانت شيئاً آخر، كانت كتاباً مفتوحاً على الذاكرة، يختلط فيه عبق التاريخ بصوت الباعة ودفء الوجوه. هناك تعلمت أن الكتاب ليس سلعة تشترى، بل حياة تعاش.

فالكتب يا أصدقاء، ليست أوراقاً تقلب، لكنها مرايا تريك نفسك التي ضاعت منك، وتعيد إليك دهشة الأيام التي كانت تلمع مثل الحبر الطري على الورق.

محمد ولد إمام.

الخميس، 2 أكتوبر 2025

عن فضيلة الشيخ ولد الددو

 

الصورة أثناء تكريم الجالية الموريتانية في قطر لمحمد ولد إمام في ديسمبر 2024.
الشيخ الددو يسلم محمد ولد إمام درع تكريم الحالية الموريتانية في قطر

عن العلامة الشيخ محمد الحسن الددو،
كان أول لقاء لي معه نهاية سبتمبر 2016، بفندق ريلز كارلتون الدوحة، رفقة الأستاذ عبد الرحمن الكرار، وقد جلسنا قليلا واستذكرنا وتحدثنا عن بعض المسائل التي للشيخ فيها فتاوى حديثة مؤصلة وأذكر أنه سألني عن كل الأهل تقريباً فذكرني بالشيخ عدود وسعة علمه بالأنساب وسألني عن بعض المخطوطات التي نُشرت في المكتبة الألمانية آنئذ.
ثم أنشدتُه الأبيات التالية:

حَيِّ الإمام المُسْتَقيمَ الأبَرْ
مُحَمَّدَ الحَسَنَ فينا الأثَرْ
نَــــماهُ للْمَجْدِ جُـــدودٌ له
فالمجْدُ فيه كائنٌ واسْتَقَرْ
من آلِ عَدودٍ وآلِ الدَّدَوْ
وآلِ يَعْقوبَ الدَّراري الدُّرَرْ
أئــــمـــةٌ غُــــرٌّ فلا غــروَ إنْ
خَـــلَــــفَهمْ منه إمـــامٌ أغرْ
يدعو إلى الحقِّ يُنادي به
"ودامَ هكذا النِّدا واسْتَمَرْ"
شُهودُه في العلمِ إنْ رُمْتَهمْ
ألْفِيةُ ابْنِ مالـِ والمُخْـتَصَرْ
للعِلْمِ يدْعو الجَفَلى والنَّدا
فـــلا تــراهُ آدبـــاً يَـنْـــتَـــقِــرْ
فطالبُ العُلومِ يَحْظى بها
وطالبُ الوَطَرِ يَقْـضي الوَطَرْ
وبُغْيَتي مـــنكــمْ دُعـــاءٌ لـــنا
وحِفْظُ عَهْدِ السلفِ المُشْتَهَرْ
فذلك العهْدُ هنا ما انْمَحى
وذلكَ الودُّ هــنا ما انْــــدَثَرْ.

محمد ولد إمام_ 24 سبتمبر 2016- الدوحة - قطر (الصورة من الشيخ خلال تسليمي  درع التكريم من الجالية الموريتانية بالدوحة 2024)

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

تيك توك.. من أين تأتي أموال الداعمين الفلكية؟




هل تساءلتم يوماً عن الأموال التي تنهمر على التيكتوكرز في بثوثهم المباشرة؟ عن تلك “الهدايا الافتراضية” التي تتطاير كالألعاب النارية على الشاشة، وتتحول بعد دقائق إلى أرصدة مالية في حسابات صانعي المحتوى؟ على السطح يبدو الأمر مجرد دعم من جمهور متحمس، لكن خلف الكواليس تدور أرقام هائلة، ونسب اقتطاع معقدة، وشبهات تمويل غير مشروع تصل أحياناً إلى القضاء. الآلية بسيطة في الظاهر: مستخدم يشتري عملة المنصة “Coins” ببطاقته الائتمانية أو عبر متجر التطبيقات، ثم يهدي بها صانع محتوى فيتحول الدعم إلى “Diamonds” يمكن سحبها نقداً. لكنّ تقارير صحفية وتحقيقات رسمية تشير إلى أن هذا النظام نفسه قد يصبح منفذاً لغسل الأموال وتمويل أنشطة غير قانونية إذا لم يخضع لرقابة دقيقة.

في يناير 2025 رفعت ولاية يوتاه الأميركية دعوى قضائية ضد تيك توك متهمة المنصة بالتغاضي عن استغلال ميزة الهدايا في البث المباشر لأغراض غسل الأموال، وتمويل أنشطة مشبوهة، بل وتسهيل استغلال القاصرين. وثائق المحكمة التي كُشف عنها لاحقاً تشير إلى مشروع داخلي سري لدى الشركة باسم “Project Jupiter” خُصص للتحقيق في هذه المزاعم. وفي تركيا فتحت هيئة مكافحة الجرائم المالية MASAK تحقيقاً موسعاً بعد أن كشفت عن تحويل ما يقرب من 82 مليون دولار منذ عام 2021 إلى مستخدمي تيك توك عبر التبرعات والهدايا الرقمية، في عمليات اتُّهم بعضها بكونه واجهة لغسل الأموال أو تحايلاً ضريبياً.

الأمثلة الفردية لا تقل درامية. ففي ولاية ألاباما الأميركية اتُّهمت موظفة كنيسة باختلاس نحو 300 ألف دولار من أموال الكنيسة وإنفاق جزء منها على شراء Coins لدعم صانعي محتوى على تيك توك، في واقعة تم توجيه تهم احتيال إلكتروني فيها. هذه الحادثة ليست استثناءً، بل نموذج على هشاشة الرقابة في هذا الاقتصاد الافتراضي الجديد.

آلية المنصة ذاتها تفتح المجال للاستغلال. فالعملات الافتراضية والهدايا الصغيرة يصعب تتبعها، وتتيح للمستخدمين تفتيت مبالغ كبيرة إلى تحويلات تبدو غير لافتة. كذلك تسمح الحسابات الوهمية أو الوسطاء “الوكالات” التي تدير مذيعين كثر بتمرير أموال بين أطراف متعددة قبل تحويلها إلى نقد حقيقي. ومع أن تيك توك يفرض على المبدعين في دول عدة التحقق من الهوية قبل السحب، إلا أن تفاوت القوانين وضعف التعاون عبر الحدود يجعل من الصعب ضبط كل العمليات.

في الوقت نفسه هناك جمهور حقيقي يموّل هذه الظاهرة، فبعض “الحيتان” ينفقون آلاف الدولارات بحثاً عن الاعتراف أو الترفيه أو المشاركة في معارك البث المباشر. لكن تقارير صحفية عديدة حذرت من أن هذه البيئة ذاتها قد تشجع على سلوكيات إنفاق غير رشيد، وأن تضخيم أرقام الدعم يغري آخرين بالمشاركة دون وعي بأن المنصة تقتطع ما بين 50 و70 في المئة من كل هدية قبل أن تصل إلى صانع المحتوى.

ما يحدث على تيك توك اليوم يشبه إلى حد بعيد ما شهدناه سابقاً في ألعاب الهواتف أو مواقع البث المباشر الأخرى، لكنه في حالة الهدايا الافتراضية أكثر خطورة بسبب حجم السوق العالمي وسهولة الاستخدام وانتشار الوكلاء غير الخاضعين للرقابة. ومع أن الشركة أعلنت في بيانات متفرقة أنها تحارب غسل الأموال وتراجع أنظمة الدفع، إلا أن التحقيقات المستقلة تكشف عن فجوة واسعة بين التصريحات والممارسة، وعن اقتصاد ظلّ يزدهر خلف واجهة الدعم الطوعي للمحتوى.

المشهد إذن ليس بريئاً بالكامل. ملايين الدولارات قد تكون دعماً حقيقياً من متابعين متحمسين، لكنها أيضاً قد تكون أداة مثالية لتمرير أموال غير مشروعة عبر طبقات من العملات الافتراضية والتحويلات العابرة للحدود. ومع تزايد نفوذ هذه المنصات، يصبح من الضروري أن يطالب الجمهور والسلطات بقدر أكبر من الشفافية والرقابة على هذا النوع من التمويل الرقمي، حتى لا تتحول الهدايا الافتراضية إلى غطاء لغسل الأموال أو إلى سوق سوداء تعمل تحت ستار المحتوى الترفيهي.
محمد ولد إمام، 
https://mohamedimame.blogspot.com/2025/09/blog-post_23.html

المصادر:

الكتاب وطن متنقّل: لماذا نحتاج وطناً يُحمل في الحقيبة؟

الكتاب وطن متنقّل
الكتاب وطن يُحمل في الحقيبة
الكتاب وطنٌ حين تضيق بك الأوطان. وطنٌ يُطوى في حقيبة، ويُفتح على اتساع القلب.

هذه التدوينة مرافِقةٌ لمقالي المنشور اليوم في الجزيرة نت عن فكرة الكتاب وطن متنقّل: كيف تخفّف القراءة وطأة الغربة، وتمنحنا جغرافيا من المعنى أينما حللنا.

لماذا كتبت هذا المقال؟

الواحد منّا قد يسافر ببدنه، وتبقى روحه تبحث عن "بيت". الكتاب يمنحك هذا البيت: لغة تألفها، وأصوات تحرس وحدتك، وذكريات تتّسع في هوامش الصفحات.

ثلاثة وجوه لوطنٍ من ورق

  • وطنٌ يحفظ الاسم: حين تتكسّر الألقاب على الحدود، يبقى اسمك في سطر مقتبس.
  • وطنٌ يخفّف الغربة: القراءة ليست هروبًا، بل عودة مؤقتة إلى نفسك.
  • وطنٌ يُشارك: الكتاب الجيد لا يُقرأ مرّة؛ بل يُسكن.

🔗 اقرأ المقال الأصلي على الجزيرة نت هنا

شاركني سطرك الأثير

ما الكتاب الذي كان وطنك المتنقّل؟ اكتب العنوان في التعليقات أو أرسل صورة لرفّك الصغير في السفر. سأنتقي مشاركاتٍ وأنشرها في تدوينة متابعة.

انضمّ للنشرة البريدية

تلخيصات كتب، خواطر قصيرة، ونسخ قابلة للطباعة من قصائد جديدة.

ملاحظة محبّة: إن أعجبك المقال، انقله لمن تحب. فالوطن حين يُشارك يكبر.

الأحد، 21 سبتمبر 2025

"أنخاب الأصائل".. إطلالة على المبنى وإيماءة إلى المعنى

 

قراءة في أنخاب الأصائل: إطلالة على المبنى وإيماءة إلى المعنى

نشرت الجزيرة نت قراءة نقدية للشاعر الكبير. بَبَّهاء ولد بدّيوه في ديوان أنخاب الأصائل، وفيها يتتبع «معمار» النصوص ويُبيّن كيف يجمع الديوان بين صرامة الشكل العمودي ومرونة قصيدة التفعيلة، لتُصاغ تجربة شعرية أصيلة تمزج بين الإحساس الفردي والتقاليد العربية.

  • سياق الديوان: يأتي امتداداً لمنجز الشاعر السابق (الفجر والمساء 2005، وأشعار 2018)؛ ويضمّ 85 نصاً في 113 صفحة.
  • التسمية والدلالة: العنوان يوظّف الرمز الخمري بوصفه مجازاً روحياً للحب وسمو التجربة، لا مجرد دلالة حسية.
  • الموسيقى والبناء: تنوّع الأوزان والقوافي؛ يغلب عليه الشعر العمودي مع حضورٍ للتفعيلة، وفيه تطويعٌ لإيقاع القافية بحسب مقتضى المعنى.
  • التجربة والمعنى: النصوص تكتبها الوقائع وتُصاغ في مرآة الذات الفنية؛ واشتغالٌ على التفاعل بين الإحساس الفردي والتمرس بالتقليد الشعري.
  • ثيمات الديوان: قضايا الإنسان العربي (فلسطين، العراق، الشام...) بلغة رشيقة تتراوح بين الإبانة والإشارة والصورة الرمزية.
«يتجلّى في أنخاب الأصائل توظيفٌ مبتكر للقوافي والأوزان المتعددة، جامعاً بين الشكل العمودي وقصيدة التفعيلة لتقديم تجربة شعرية أصيلة وعميقة.»

رابط القراءة الأصلية على الجزيرة نت: أنخاب الأصائل.. إطلالة على المبنى وإيماءة إلى المعنى

حقوق النص الأصلي محفوظة للجزيرة نت. النص أعلاه تلخيص وعرض موجز مع إحالة للمصدر.

الأحد، 14 سبتمبر 2025

البيوت التي تسكننا

مقالات محمد ولد إمام

 

البيوت ليست حجارة وأبواباً فقط، لكنها أمكنة تتنفس معنا وتشيخ حين نشيخ. في كتابه البيوت أسرار الروح كتب الفيلسوف والمعماري غاستون باشلار: إن البيت هو أحد أعظم قوى دمج الأفكار والذكريات والأحلام، فكل بيت نسكنه يترك فينا أثراً ما، لكن قليلاً من البيوت ما يسكننا إلى الأبد.

كم من دار نمرّ بها كما يمرّ القطار بمحطات لا يحفظ أسماءها، وكم من بيت صغير ظلّ يعيش في قلوبنا حتى مهما رحلنا وتنقلنا.

إن الحنين ليس للأثاث ولا للجدران، بل لذلك الشعور بالأمان الأول الذي لا يتكرر.

وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا..
على رأي المجنون.

أذكر بيتنا القديم، كما قال نزار في حواره مع تلك الإسبانية:
ورأيتُ منزلنا القديمَ وحجرةً
كانت بها أمي تمدّ وسادي..
أنا كذلك أتذكر كل ملامح وزوايا بيتنا القديم الذي كان متواضعا، ومع ذلك ظلّ أوفى من شقق المدن الحديثة. كنت أجد فيه روائح طفولتي تتدلى من السقف كعناقيد العنب، كأن الجدران نفسها تحفظ صوتي وأنا طفل وأسترجع كل تفاصيل حياتنا السابقة.
قرأت مرة في دراسة عن الذاكرة المكانية نشرها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الباحثين وجدوا أن البيوت الأولى في حياة الإنسان تُخزَّن في مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة العاطفية، ولهذا تبدو أقوى من غيرها في الوجدان.

 

حين نتحدث عن الديار أو البيوت فنحن نتحدث عن ألبومات حياة: ضحكات، بكاء، طقوس الصباح، مشهد النافذة، والأبواب القديمة التي تفتح على دهاليز القلب. ربما لذلك قال الشاعر الفرنسي بول فاليري إن البيت هو أول كون للإنسان كل شيء بعده مجرد امتداد.

 

لهذا، فإن البيوت التي تسكننا لا تموت حتى لو هُدمت. بل تتحول إلى قصائد، أو إلى صور في العقل، أو إلى رؤى في الأحلام.

في سيرته الأيام يقول طه حسين إن بيت طفولته في الريف ظلّ يزوره في المنام حتى وهو في باريس.

أعتقد كذلك أن بيوتنا ليست حجرا صلداً لكنها أوطان داخلية إن جاز التعبير.

 

كلنا نحمل بيوتا وديارا في صدورنا من حكايات وأصوات وألوان، نسكنها كلما ضاقت بنا الأمكنة.

والوفاء للبيت الذي يسكننا ليس بأن نعود إليه جسداً بالضرورة، بل بأن نحافظ على قيمه ومعانيه ونور أهله في أرواحنا وذكرياتنا معهم.

اقرأ أيضــــاً "على هامش العمر"

الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

على هامش العمر

خواطر محمد ولد إمام


العمر ليس عدد السنين التي نجرها وراءنا كما يجر المسافر حقيبته الثقيلة، بل هو ما يفيض في الأيام من معنى.
كم من إنسان عاش ستين عاما وهو غريب عن نفسه، وكم من آخر عاش عشرين عاما لكنه ملأ الدنيا بأثره.
العمر أشبه بالنهر: بعضه ضحل لا يروي عطشا، وبعضه عميق تمخر فيه السفن. ك
ل يوم صفحة جديدة في دفتر العمر.
فمنا من يتركها بيضاء كأنها لم تكن، ومنا من يخط فيها جملة تبقى أبد الدهر.
قلت لصديق يسألني عن العمر: هو ما يبقى بعدك، لا ما يذهب معك.

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

فن الرثاء!

 

 رثاء الوليد بن طريف.. حين تبكي الأخت شقيقها 

من بين أصفى الرثائيات وأشدها شفافية في اللفظ والمعنى، مرثاة الفارعة أخت الوليد بن طريف الشيباني الخارجي.
قُتل الوليد على يد القائد يزيد بن مزيد الشيباني، أحد قادة هارون الرشيد، وكان الوليد قد خرج على الدولة العباسية، فواجهه يزيد ببأسه وحيلته، وقتله وقطع رأسه.
حينها، انفجر قلب أخته شعراً، فأنشدت أبياتاً تُشبه النواح المقدس، تتفجّر حزناً ووجداً، تندب فيها أخاها الذي رأت فيه مجداً نادراً:

بتلِّ نباثا رسم قبرٍ كأنّه
على علمٍ فوق الجبال منيفِ
تضمَّن جوداً حاتمياً ونائلاً
وسَورة مقدامٍ وقلبَ حصيفِ

لقد رأت في أخيها قمراً انطفأ، وشمساً مالت إلى كسوف، وعاتبت الطبيعة على برودها، إذ ظلت أشجار الخابور مورقة كأن شيئاً لم يكن:

أيا شجر الخابور! مالكَ مورقاً
كأنّك لم تجزع على ابن طريف؟!


الرثاء.. حوار مع الغياب

الرثاء ليس مجرد بكاء على الميت، بل هو في كثير من الأحيان حوار مع القبر، ومساءلة  للحياة عن قسوتها. لقد فعل ذلك أبو الطيب المتنبي حين خاطب المنون: 
غدرتَ يا موتُ كم أفنيتَ من عددٍ
بمَن أصبتَ وكم أسكتَّ من لجبِ
وقوله في رثاء فاتك:

ولا ما تضمُّ إلى صدرها
ولو علمت هالَها ضمّهُ

وقال أبو تمام في ذات السياق:

إنّ الصفائح منك قد نُضِدتْ على
ملقى عظام ٍ– لو علمتِ – عظامِ

الرثاء يكشف هشاشتنا، ويفضح قسوة الكون في استمرار دورته، بينما قلوبنا تتفتت على الغياب.


ما آلم الفارعة لم يكن موت أخيها وحده، بل أن ترى الطبيعة ماضية في خضرتها، غير عابئة بأن ركناً عظيماً من العالم قد انهار. الشجر أخضر، والأنهار تجري، والسماء صافية… بينما قلبها وحده مظلم.

كأن الكون، ببروده هذا، يُذكّرنا بأن ما نفقده نحن لا يعنيه شيئاً.
إنه لغز الرثاء: أن تدرك أن الحزن شخصي، وأن العالم يواصل رتابته، وكأنك لم تخسر شيئاً.


ولعل بكاء الأخوات على إخوتهم يحمل نغمة خاصة، لا نجدها في غيره. نقرأ للخنساء فنبكي معها على صخر، كأنه أخونا نحن. نقرأ للفارعة فنحس أن دمها يختلط بالحبر.

إنه البكاء الذي يفتح فينا أعماقاً لم نكن ندري بوجودها.


ربما كان أعظم ما يتركه الرثاء فينا أنه يعيد ترتيب علاقتنا بالحياة. فلولا فقد الأحبة، لما تذكّرنا أن الدنيا هشيم تذروه الرياح. ولولا نزف الجراح، لما عرفنا كيف نشارك آلام الآخرين ونبتهل معاً إلى بارئنا.

ولولا صخب الشعراء الحمقى، لما أنصتنا بتوق إلى همس العظماء الذين تركوا كلماتهم لنا كأضواء بعيدة تهدينا في العتمة.


 الرثاء ليس فناً أدبياً فقط، بل هو مرآة تضعها الروح أمام وجهها لتسأل: من نحن؟ وما الذي يبقى بعد أن يذهب الأحبة؟

محمد ولد إمام.. الدوحة 2019

مزيد في الأدب


الاثنين، 1 سبتمبر 2025

الشعر والنحو: حين يصبح البيان ميزانًا

الشعر والنحو: حين يصبح البيان ميزانًا

لم تكن شواهد النحو الشعرية التي اصطفاها النحويون مجرد أمثلة لتوكيد القاعدة أو تأييدها تمثيلًا بعد درسها تجريدًا. لقد كانت هذه الشواهد تحمل وظيفتين، إحداهما جمالية تُبهر الذائقة وتفتح دروب الخيال، والأخرى أخلاقية تربوية، تبذر في النفس مكارم الشيم وتُنمّي شعور الانتماء والفخر.

فالشعر كان دومًا مرآةَ وجدانٍ جمعي، ورسولًا يتنقل من جيلٍ إلى جيل، لا يُستدعى لمحض الترويح، بل ليقوم بدور المُؤدب والمُعلّم والناقل لهوية الأمة. لذلك كان أدباء العرب ومُعلّموهم يُربّون الأبناء على حفظ الشعر، ويُلقّنونه لأبناء البيوت الرفيعة، حرصًا على بناء الشخصية واستقامة الروح، فالشعر عندهم غِراس القيم ونبعُ الفروسية والوفاء والعزة.

ولولا خلالٌ سَنّها الشعرُ ما درى
بناةُ العُلا من أينَ تُؤتى المكارمُ

وقد رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "مُر من قِبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معاني الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب".

ويُروى عن معاوية قوله: "ينبغي للرجل أن يُؤدّب ابنه، والشعر أعلى مراتب الأدب"، بل زاد فقال: "اجعلوا الشعر أكثر أدبكم وأكبر همّكم".

انظر مثلًا إلى شاهدهم في توسط خبر "كان" بين اسمها وبينها، بقول السموأل:

سَلي -إن جَهِلتِ الناسَ- عنا وعنهمُ
فَلَيسَ سواءً عالِمٌ وَجَهولُ

فإذا أعجبك البيت، فتشت عن سياقه، فإذ بك أمام أبيات تفيض عزة:

تُعَيِّرُنا أنَّا قَليلٌ عَديدُنا
فَقُلتُ لَها: إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا
شَبابٌ تَسامى لِلعُلى وَكُهولُ
وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا
عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ

ويصعد بالمعنى في أبيات تمثّل المجد في صورة جبلٍ شاهق:

لَنا جَبَلٌ يَحتَلُّهُ مَن نُجيرُهُ
مَنيعٌ يَرُدُّ الطَرفَ وَهُوَ كَليلُ
رَسا أَصلُهُ تَحتَ الثَرى وَسَما بِهِ
إِلى النَجمِ فَرعٌ لا يُنالُ طَويلُ
هُوَ الأَبلَقُ الفَردُ الَّذي شاعَ ذِكرُه
يَعِزُّ عَلى مَن رامَهُ وَيَطولُ

ثم يستطرد الشاعر في ضرب الأمثال، فيقول:

إِذا المَرءُ لَم يَدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ
فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ
وَإِن هو لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها
فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ

ويتابع بتفنيد خصومه من قبيلتي عامر وسلول:

وَإِنّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً
إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا
وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ
وَما ماتَ مِنّا سَيِّدٌ حَتفَ أَنفِهِ
وَلا طُلَّ مِنّا حَيثُ كانَ قَتيلُ
تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا
وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ

ثم يأتي على ذكر النسب الأصيل:

صَفَونا فَلَم نَكدُر وَأَخلَصَ سِرَّنا
إِناثٌ أَطابَت حَملَنا وَفُحولُ
فَنَحنُ كَماءِ المُزنِ ما في نِصابِنا
كَهامٌ وَلا فينا يُعَدُّ بَخيلُ

ومن أبدع ما قال، حين يفتخر بقوة بيانه:

وَنُنكِرُ إِن شِئنا عَلى الناسِ قَولَهُم
وَلا يُنكِرونَ القَولَ حينَ نَقولُ
إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ
قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ

ويواصل وصفهم:

وَما أُخمِدَت نارٌ لَنا دونَ طارِقٍ
وَلا ذَمَّنا في النازِلينَ نَزيلُ
وَأَيّامُنا مَشهورَةٌ في عَدُوِّنا
لَها غُرَرٌ مَعلومَةٌ وَحُجولُ
وَأَسيافُنا في كُلِّ شَرقٍ وَمغرِبٍ
بِها مِن قِراعِ الدارِعينَ فُلولُ
مُعَوَّدَةٌ أَلّا تُسَلَّ نِصالُها
فَتُغمَدَ حَتّى يُستَباحَ قَبيلُ
سَلي إِن جَهِلتِ الناسَ عَنّا وَعَنهُمُ
فَلَيسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهولُ

هذا هو الشعر حين يكون بيانًا وميزانًا. وحين تكون اللغة فيه رحمًا ينجب المجد، وسيفًا يصون الكرامة.
محمد ولد إمام.

الأحد، 24 أغسطس 2025

المختار السالم.. الشاعر والذاكرة الثقافية

 المختار السالم.. الشاعر والذاكرة الثقافية

 


ليس من السهل أن تكتب عن رجل يعيش الحرف ويتنفسه. وحين يكون هذا الرجل صديقا لك، فإن الكتابة عنه تصبح واجبا وامتنانا.
المختار السالم أحمد سالم ليس مجرد شاعر موريتاني بارز، بل هو ذاكرة ثقافية تمشي بيننا، تفتح دروبا وتضيء أخرى، وتترك أثرا لا يزول في مسيرة الكتابة العربية الحديثة.

 

منذ بداياته الأولى، حين أطلت مجموعته الشعرية سراديب في ظلال النسيان، كان واضحا أنه لا يكتب ليملأ فراغا، بل ليشق لنفسه ولنا دربا خاصا، يزاوج فيه بين لغة متينة ونَفَسٍ إنساني عميق. ومن ثم مضى، كما يليق بالشاعر الذي يعرف أن الشعر لا يقيم في بيتٍ واحد، ليقدم القيعان الدامية، وليفتح باب الرواية الموريتانية الحديثة بروايته اللافتة موسم الذاكرة، ثم وجع السراب التي وضعت بصمتها في وجدان القارئ. ولم يكتفِ بهذا المسار المزدوج، بل راح يُجدّد صلته بالشعر عبر دواوين مثل التغريبة وزمن الأنفاس المهجورة، ويتمرّد في قرن القافية، ويعانق الرمز والأسطورة في ملحمته السالمية، ويحدثنا بدفء اعتراف إنساني في ظلال الحروف حيث نتفيأ الشعور والشعر معا.

 

إن الحديث عن المختار السالم لا يقتصر على نتاجه الأدبي، على غزارته وتنوعه فحسب. فالرجل صديق نادر، يمد يده بسخاء للكتّاب الشباب، يفتح لهم أبواب النشر والظهور، ويشجّعهم بحفاوة صادقة. هو من ذلك النوع من المثقفين الذين لا تغرّهم الأضواء، بل يرون في نجاح الآخرين جزءا من نجاحهم الشخصي، عرفته دائم المبادرة، يسعى لترسيخ صوت موريتانيا الثقافي في المنابر العربية، ويدافع عن حرية الكلمة وعن ضرورة أن يكون للأدب مكان في قلب الحياة العامة.

 

إنه شاعر، نعم، لكنه أيضا كاتب مقالة لامع، وصوت صحفي ظل يكتب بجرأة في قضايا الثقافة والفكر والسياسة، ويربط الأدب بالواقع دون أن يفرّط في جماليات اللغة. وقد أسهم في إثراء المكتبة العربية بأعمال تجاوزت حدود موريتانيا، لتجد صداها في المشرق والمغرب، ولتثبت أن بلاد شنقيط قادرة على أن تُجدد صوتها وتقدّم للعالم أسماء تضاف إلى سجلها العريق.

 

المختار السالم، في النهاية، ليس فقط صديقا عزيزا؛ إنه مدرسة في الوفاء للكلمة، في الجمع بين الجرأة والإبداع، وفي الإيمان بأن الأدب رسالة لا تقل شأنا عن أي فعل من أفعال التغيير. وددتُ لو كنت حاضرا في تلك الأمسية الأخيرة التي جمعت محبيه في بيت الشعر مع تجاربه المثمرة، لكنني مطمئن أن التواصل والاتصال بيننا لا يحتاج إلى مكان ولا زمان، فنحن على البعد مقتربون، ورسُل القلم بينا تترى، ثم إنني أجده في كل روح ألهمها، وفي كل يد شجعها على حمل القلم والمضي في طريقه.

حيِّ عني يا شعرُ بالتنويهِ
سادنَ الحرفِ ذا المقام النبيه
في سراديبه معانٍ تجلّت
وتجلى الإبداعُ إذْ بانَ فيه
وتجلى فهمٌ سديدٌ سريعُ
راكبٌ متنَ لاحقٍ ووجيهِ
في ظلالِ الحروفِ نبعٌ من الضو-
ءِ وفيها بـــــدائعُ التـــشــــبـــيهِ


محمد ولد إمام.. أغسطس 2025.. الدوحة - قطر

الاثنين، 11 أغسطس 2025

خلوها تنظف.. حملة لحماية موريتانيا من فوضى وسائل التواصل.. ألا أين المحامونا؟

دعوة عاجلة لتنظيف الفضاء الرقمي



هذه دعوة ونداء عاجل للجميع وبالأخص للمحامين والجهات التنفيذية والقضائية والرقابية، من أجل تنظيف مجالنا الرقمي حفاظا على مجتمعنا وقيمه وعلى صحة أفراده النفسية خاصة الأطفال وكبار السن.. أمام هذه الفوضى العارمة من مقاطع خادشة وصور خليعة وصوتيات مريعة!
لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى.. ولم نعد نستطيع أن نتابع أخبار أصدقائنا وعائلاتنا ولا أن نتواصل معهم على هذه المواقع التي يمكن أن توصف بكل شيء إلا أنها "اجتماعية" دون أن نتعثر بصوتية إباحية أو صورة خادشة وألفاظ خارجة ومنشورات لا تليق!

غياب الرقابة على المحتوى الحساس

فلا رقابة ولا رقيب على مجالنا التواصلي الرقمي، حتى الرقابة الآلية على سوئها، ليست متاحة لنا لأن أغلب هذا المحتوى الخارج يكون باللهجة الحسانية وبالتالي لا تلتقطه خوارزميات الرقابة في هذه المواقع!

أثر الفضاء المفتوح على الوعي والمجتمع

إننا نعيش اليوم في فضاء لا سقف له ولا جدار. الكلمات تعبر من شاشة إلى وعي غر، والصورة لا تعتذر حين تقتحم حياة طفل لم يتعلم بعد معنى حدود النظر. ليس الحديث عن شطحات فردية متفرقة، بل عن منظومة بث يومي متواصل تعيد تشكيل المزاج العام، وتؤثر في الصحة النفسية، وتزرع الفرقة بين فئات المجتمع من حيث لا نرى. لذلك يصبح السؤال أخلاقيا وقانونيا معا: كيف نضع حواجز واقية تحمي الأطفال والمراهقين وكبار السن، وتبقي الفضاء الرقمي مجالا للمعنى لا منجما للفوضى؟

التنمر الإلكتروني وأضراره النفسية

وإذا نزلنا من الإجمال إلى التفصيل، فالتنمر الإلكتروني واحد من أكثر الممارسات إيذاء. وتربط دراسات حديثة بين التعرض للتنمر عبر الإنترنت وبين ارتفاع احتمالات أعراض الاكتئاب، والقلق، وحتى التفكير الانتحاري في بدايات المراهقة. ليست المسألة “صلابة شخصية” بقدر ما هي نمط تعرض مستمر لمقولات جارحة وصور مهينة ومعايرة علنية تبث على مدار الساعة. هذا النمط يترك أثرا تراكميا ينعكس على الأداء الدراسي، وعلى تقدير الذات، وعلى القدرة على بناء علاقات آمنة.

خوارزميات الترويج وتأثيرها على الخطاب العام

ثم يأتي الخطر الذي لا نحب الاعتراف به: خوارزميات الترويج. ليست المنصات “محايدة” حين تمنح المحتوى الأكثر إثارة وغلوا فرصة الظهور المتكرر. فقد رصدت بحوث جامعية حديثة كيف تتكفل بعض الخوارزميات بتضخيم محتوى عدائي ومخل خلال أيام قليلة، فتتحول نبرة الازدراء والسخرية والتمييز إلى “النمط السائد”، ومعها تنزلق المقاييس الأخلاقية من غير أن نشعر. هذه الحلقة المفرغة لا تؤذي الفتيات والفتيان فقط، بل تغير لغة الحوار العام وتضغط على السلم الاجتماعي.

من خطاب الكراهية إلى العنف الواقعي

وليس هذا مجرد مسألة ذوق، فلدينا شواهد أنظمة كاملة انفلت فيها خطاب الكراهية حتى صار جسورا نحو العنف الحقيقي. ففي تقرير موسع لمنظمة العفو الدولية حمل خوارزميات منصة فيسبوك جزءا من المسؤولية عن تضخيم خطاب التحريض الذي مهد لجرائم ضد أقلية الروهينغيا في ميانمار عام 2017، وهو مثال صارخ على قدرة البنية التقنية، حين تدار بمنطق الربح المجرد، على تغذية الكراهية بما يتجاوز “المعارك الرقمية” إلى معارك واقعية على الأرض. لسنا في ميانمار، لكن الدرس أخلاقي وتقني: ترك المنظومات بلا فرامل، مع اقتصاد انتباه يكافئ الشخص الأشد ضجيجا، يعرض أي مجتمع هش للانزلاق.

انعكاس الأذى على كبار السن

ومن زاوية السن، تشير بيانات حديثة إلى استمرار معدلات ملحوظة من الوحدة والانعزال عند من تجاوزوا الخمسين، خاصة مع تدهور الصحة الجسدية أو النفسية. في البيئات ذات الروابط الاجتماعية التقليدية، إذ قد يتحول الاعتماد المفرط على الشبكات إلى إحساس أعمق بالانعزال إذا كانت التفاعلات سطحية أو مؤذية.
إن العنف اللفظي لا يجرح الأطفال وحدهم، بل يضغط على كبار السن أيضا، ويزيد هشاشة.

تآكل الأعراف الاجتماعية في الفضاء الرقمي

إن مجتمعنا الموريتاني متعدد الشرائح والقوميات والقبائل واللغات، اتفق تاريخيا على أعراف راسخة من التصافي، لكن الفضاء الجديد يخلط بين الرأي والشتيمة، وبين النقد والتحريض، ويظهر الاختلافات كأنها شقوق لا تردم.
إن المؤثر الذي لا يعنيه سوى زيادة المتابعة والرعايات الإعلانية، قد يختار الأسهل: من صدمة لغوية ومحتوى خادش وإيحاء طبقي أو قبلي، لأن “الترند” لا يكافئ التوازن بل يفضل الحدة، ومع غياب أدوات إنفاذ محكمة، تتكرس لغة يومية تضعف الثقة بين المكونات، وتؤثر في الأطفال والمراهقين قبل غيرهم.

سوء استخدام أدوات الضبط الرقمي

قطعت الدولة الإنترنت المحمول أياما خلال الانتخابات ونتائجها وخلال أحداث الفوضى الشرائحية وسبق أن أوقفت الخدمة عقب فرار سجناء وتصاعد احتجاجات، ما يكشف قابلية الأدوات الرقمية للتسييس المعاكس: بدل حماية الفضاء من المحتوى المؤذي للأطفال أو التحريض على الكراهية، يعاقب الجميع بالإغلاق العام. هذا ليس تنظيما، بل تعطيل يصيب الاقتصاد والمواطنين معا، ويبقي المشكلة الأخلاقية بلا حل.

قصور التشريعات الحالية

في المقابل، توجد نصوص فضفاضة حول “الأخبار الكاذبة” استخدمت لتجريم التعبير العام، من غير بناء منظومة متوازنة لحماية القاصرين ولمكافحة الأذى الرقمي المباشر. الإصلاح الحقيقي لا يكون بقمع شامل ولا بتساهل كامل، بل بقانون واضح يعرف الضرر القابل للقياس ويلزم المنصات والأفراد معا بالمسؤولية.

حماية الطفولة من الأذى الرقمي

على مستوى حماية الطفولة، تذكرنا اليونيسف بأن المخاطر لا تقتصر على الاستغلال الجنسي أو التحرش المباشر، بل تمتد إلى كل أنماط العنف اللفظي والمحتوى المؤذي الذي يضعف الشعور بالأمان. والأبحاث المقارنة تؤكد أن التعرض المنتظم للخطاب العدائي يقلص التعاطف ويزيد القابلية للوصم، ويغذي الاستقطاب بين الطبقات والفئات. هذا ليس “تشددا أخلاقيا”، بل قاعدة نفسية: ما يتكرر يترسخ، وما يطبع في الخلاصات اليومية يصبح “المعيار الجديد”، ومن هنا يبدأ التصدع في السلم الأهلي.

خطوات الإصلاح المقترحة

ماذا نفعل؟
نحتاج إلى مزيج ذكي من التربية الرقمية، والمساءلة القانونية، والتزامات المنصات. من أجل العمل على تقييد وصول القصر وإزالة الميزات الإدمانية وتقوية أدوات الضبط العائلي وإتاحة بيانات شفافة للباحثين وصناع السياسات.

تشريع وطني متوازن

على مستوى التشريع الوطني، يمكن سن قانون واضح يجرم بدقة: نشر المحتوى الخادش الموجه للأطفال والتهديد والابتزاز الرقمي والإهانة الممنهجة المبنية على الأصل أو القبيلة أو العرق أو اللغة والتحريض على العنف.
مع هذا، يحتاج القانون إلى توازن يحمي حرية التعبير ويصون النقد المشروع، ويخضع القرارات القضائية لاختبارات الضرر الحقيقي لا الانزعاج الذوقي.

مواثيق سلوك للمؤثرين

اعتماد “مواثيق سلوك” للمؤثرين والشركاء التجاريين: لا إعلان ولا رعاية لمن يخرق هذه المعايير مرارا ولا أرباح من مقاطع مخالفة.

هيئة مستقلة للشكاوى الرقمية

إنشاء هيئة مستقلة للشكاوى الرقمية تتلقى بلاغات الأسر والمعلمين وتصدر قرارات ملزمة زمنيا بحق الحسابات المخالفة داخل موريتانيا، مع آلية استئناف قضائي سريعة تضمن العدالة وعدم التعسف.

التربية على الاحترام

على المجتمع والأسرة والمدارس دور لا يستغنى عنه من إدماج “التربية على الاحترام” في المناهج: كيف نفرق بين النقد والإهانة، بين حرية الرأي والتحريض؟ هذه مهارات مواطنة رقمية، وليست كماليات.

منصات مجتمعية داعمة

إنشاء منصات مجتمعية محلية داعمة: خطوط مساعدة نفسية سرية للشباب المتعرضين للتنمر، وجلسات تدريب للأهل حول الضبط الأبوي، ومواد مبسطة بالعربية والحسانية حول الوقاية والإبلاغ.

البحث والقياس

شراكات مع الجامعات والباحثين لقياس المؤشرات: معدلات التعرض، أنماط الأذى، أثر السياسات الجديدة. ما لا يقاس لا يحسن.

ضمان الشفافية وعدم استغلال القوانين

أعرف أن البعض سيقول: “سن القوانين قد يستغل ضد الرأي المخالف.” والرد أن العلاج ليس في الفوضى، بل في دقة التعريفات والشفافية والرقابة القضائية المستقلة. نحن لا ندعو إلى شرطة للأفكار، بل إلى معيار أخلاقي قانوني يحمي الطفل والناشئ وكبير السن من خطاب يؤذي صحتهم وسلام المجتمع، ويحمل المنصات ومن يربحون منها كلفة الضرر لا جائزته.

في النهاية، الفضاء الرقمي مرآة مكبرة لما فينا: إذا تركناه لمنطق الربح الأعمى، سيعيد تدوير أسوأ ما فينا. وإذا وضعنا له حدوده الأخلاقية والقانونية، صار فرصة للتعلم والتواصل ونشر الجمال. موريتانيا، بكل ألوانها ولهجاتها وقبائلها وقومياتها، جديرة بفضاء يقوي الوئام لا يجرحه، ويصون الطفولة بدل أن يضعها وجها لوجه مع أكثر ما في العالم قسوة. سن قوانين رادعة دقيقة، وتنفيذ عادل لا انتقائي، وتربية رقمية مستمرة، وشراكات مع منصات تتحمل مسؤوليتها—هذه ليست عدة رقابة فحسب، بل وصفة حماية لسلمنا الاجتماعي، اليوم قبل الغد.