Skip to main content

Posts

كورونا وبروست!

  منشور بتاريخ مارس 2020 في عشرينيات القرن الماضي كتب العملاق الفرنسي بروست، في أطول رواية أدبية في العالم،  (À la recherche du temps perdu)   أو كما تُرجمت للإنكليزية (Remembrance of Things Past)، وهي 7 أجزاء وأكثر من مليون ومائتي ألف كلمة! المهم خلال تناوله لقضية الموت، كتب أن صحيفة نشرت لقرائها أن عالِماً أمريكياً أعلن أن العالم سينتهي أو على الأقل أجزاء كبيرة منه، على نحو مباغت، وسيكون الموت هو مصير الجميع، وتساءلت لصحيفة ماذا سيتغير في حياة أو حيوات الناس قبل الكارثة؟ وسألت القراء: ماذا ستفعلون في هذه الأيام المتبقية؟ أول المشاهير الذين أرسلوا ردهم كان الكاتب أونوري بوردو، فقال إن الناس سيذهبون إلى أقرب كنيسة أو غرفة نوم، لكنه رفض الخيارين وقال إنه سيتسلق الجبال للاستمتاع بجمال الأشجار والطبيعة. الممثلة بورتا بوفي أكدت أن الناس سيتخلون عن كل تحفظاتهم وكوابحهم في الساعات الأخيرة ما دامت ليست هناك عواقب ولا محاسبات! أما مدام فرايا، فأكدت أن الناس لن يتأملوا المستقبل الغيبي بل سينغمسون في الملذات الأرضية، بينما صرح الكاتب أونوري روبير بنيته الانغماس في لعبة (Bridges) ومباراة تنس أو غ

صورة الإسلام 2

  .. (تابع): وممّا يجدر ذكرُه هنا أنني لاحظت أن العلماء أو المهتمين بحوار الأديان عموماً ينقسمون إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول يذهبون بعيداً في الاعتذار عن الإسلام ونفي كلِّ ما يرونَه منافياً للمدنية الحديثة وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فنراهم يُنكرون الحدود أو بعضها، وكذلك يُنكرون أغلب الآثار التي تذكر العذاب كما سيأتي، وهم بذلك كأنما يفصِّلون الدين على مقياس الآخر حتى يتماهَوا معه كلياً وهم بذلك يفقدون خصوصيتهم أو أغلبها فيصبحون نسخاً مكررة من تلك الثقافة العالمية، وبعضُهم يدعون صراحة إلى أن يقتصر الدين عندنا على العلاقة الفردية بين العبد والخالق، فلا شريعةَ ولا تدخلَ في الحياة الشخصية ولا حدود ولا قضاء شرعياً .. إلخ. والقسم الثاني أشخاص جامدون جدا وحرفيون نوعاً ما في فهمهم للدين، وهم بذلك صِداميون، وغالبا تنتهي حواراتهم في طريق مسدود. على رأي الشاعر القديم: نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راضٍ والرأي مختلفُ وبين تفريط أولئك وإفراط هؤلاء، هناك طريقٌ للنقاش والتفاهم وتصحيح المفاهيم الخاطئة. ومن الملاحظ أيضا أن هذا المجال لا ينبغي أن يتصدى له مَن لا يفقهون في الدين أولا، وثانيا مَن

صورة الإسلام 1

أيامَ الجامعة انخرطتُ مع زملاء مهتمين بالترجمة في مجموعاتٍ على برنامجٍ للمحادثات الجماعية يُدعى (paltalk)، في البداية بداعي تحسين خبراتنا في اللغة والترجمة، ومن ثمَّ انصرف اهتمامُنا إلى مجالٍ أوسعَ وأهمَّ بكثير، ألا وهو الحوار بين الثقافات المختلفة والمعتقدات المتنوعة، واستهوتني على وجه الخصوص قضيةُ الدعوة في هذا البرنامج، فركزتُ على المجموعات التي تناقش الأديان، وكان عليّ أن أتعلم الكثير من المصطلحات الدينية باللغة الإنكليزية، وكذلك مطالعة الكثير مما كتب المستشرقون والمستغربون إن جاز التعبير، ومتابعة محاضرات علماء أو دعاة الإسلام الذي عاشوا أو يعيشون في الغرب، فهم أكثر قدرةً على استيعاب وفهم العقل الغربي وبالتالي هم أقدر على التأثير فيه والإجابة على استفساراته، فتابعتُ كلَّ ما وقع في يديّ من مسموعات ومرئيات، تتحدث عما جابهنا به الآخرُ من شُبهٍ في التاريخ الإسلامي والعقيدة والعبادات والشريعة (القانون) وغيرها من مناحي حياتنا الإسلامية. وقد استفدتُ الكثير من هذه المناقشات والحوارات، ولم تعد مسألة اللغة والترجمة هي الهدفَ بالنسبة لي، فقد صار الهدف أعمق وأحرى أن يُبذل فيه الجهد الجهيد، فأن

أيها المغترب!

  الحياة هي ما يحدث لنا بينما نخطط لأشياء أخرى.. أعتقد أن هذه المقولة تنطبق علينا جميعا ولكنها تظهر أكثر لدى المغتربين، فالمغترب دائما، ربما في لاوعيه، يعتقد أنه خارج الزمن، وأن الزمن سيبدأ عندما يرجع إلى وطنه، فيؤجل معظم أو كل مشاريعه وأهدافه إلى أن يرجع، وهذه الفكرة عموما موجودة لدى الإنسان في كل مرحلة من مراحل عمره، فهو إما صغير ينتظر الكبر، أو مسافر ينتظر الرجوع أو طالب ينتظر التخرج، أو عاطل ينتظر التوظيف.. وهكذا. ولا يدري معظمنا أن الحياة لا تتوقف ولا تنتظر أحدا ولا شيئا، فنحن في انتظار هذه الأشياء ننسى أن الحياة تمر سريعا، ونحن في انتظار شيء ما حتى نبدأ الحياة ولكن أغلبنا لا ينتبه إلى هذه القضية مبكرا، فهو يمضي من طالب ينتظر انتهاء الدراسة، إلى عاطل ينتظر الوظيفة، إلى موظف ينتظر الترقية، ثم الزواج والأولاد ثم فجأة يجد الشباب والحياة عموما مرت بين يديه! وبالنسبة للمغترب فالحالة أشد لأنه دائما يؤجل الحياة إلى أن يحصِّل المال ويعود، وهذا في نظري أكبر خطأ، فحتى لو حصل المال تكون الحياة قد فاتته، كما أنه في هذه الدوامة قد لا يحصل ما يكفي أو ربما لا يعرف ما يكفي وبالتالي يستمر في هذه ا

مع القشيرية 2

  ... تابع للمقال الأول...رغم أن التصوف غالبا ما يكون ملازما للتدين، لكنه يحافظ على استقلالية تميزه عن رجل الدين والفيلسوف العقلي أيضا. مدار الصوفي هو الخَلق وراحتهم وحبهم، بخلاف مدار رجل الدين، الذي غالبا لا يحب غير من يدور في فلكه ويخضع لقراراته، إلا إذا خرج من حكم الطائفة محلِّقاً في فضاء العرفان أو متأثرا بفلسفة إنسانية يقوم بتأويل تدينه من خلالها. المتصوف يتسامح مع الناس ويشدد على نفسه، وفي رواية صوفية لأبي علي الدقاق: (أن شابا أخرجوه من محلةٍ لفساده، فرأى القطب أمه تبكي، فقام واستشفع له عندهم لخاطرها. وطاف بعد أيام ووجدها تبكي. فسألها: هل أخرجوا ابنك لفساده من محلةٍ ما؟ قالت: لقد مات. فقال: وما حاله وقتها؟ قالت: قال لي لا تخبري الجيران فإنهم يشمتون بي ولا يحضرون جنازتي، وأعطاني خاتما كتب عليه "بسم الله" لأدفنه معه. فنفذت الوصية. وعندما همت بالبكاء على القبر سمعت هاتفا منه يقول: اذهبي يا أمي فإني مع رب كريم). ورأى محمد الثقفي في منامه رجلاً فيه من أحوال النساء -مخنّث- احتقره الناس، فكان يقول: (غفر الله لي باحتقار الناس إياي). أما حمدون القصار فكان يقول: (إذا رأيت سكراناً

مع القشيرية 1

  منذ سنوات قمت بنشر رحلتي مع الرسالة القشيرية في التصوف، وهو كتاب أنصح به جداً فقد أثر فيّ شخصياً تأثيراً كبيرا. وقد حوى هذا الكتاب من اللطائف ما جعلني أطرق تفكّرًا وتأمّلًا.. في العديد من الاقتباسات والوقفات.. فهو كتاب لطيف وعميق. أثراني النقاش حول الكتاب.. وأضاف للرسالة أبعادًا أخرى، وإسقاطات واقعيّة نحتاجها. فهو فعلا يستحق المطالعة حيث يرى المؤلف أنه في عصره بدأ الشيوخ الذين يتبعون طريق التصوف مع العلم الشرعي بالاندراس وبدأ الجهل والاستخفاف بأوامر الشريعة وقلة المبالاة بالمحرمات يظهر على متبعي هذا الطرق يقول القشيري:  "ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق، تجري عليهم أحكامه، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب أو لوم، وأنهم لو كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائي عنهم سواهم فيما تصرفوا بل صُرفوا" وبسبب ذلك كله وخوفا من إنكار هذه الطريقة بر