Tuesday, October 22, 2019

الإعلام الإنساني

من أهم القيم الخبرية (News Values) هي قيمة البعد الإنساني (Human Interests) حسب رأيي، لأن لها تأثيراً مباشراً وكبيراً على حياة الناس، ومن أهم المناحي التي يشتغل بها الإعلام هو هذا الجانب الإنساني المضيء بعيدا عن أخبار الأحداث والفظائع التي هي عادة مائدة الإعلام، وبعيدا أيضا عن الإسفاف في الوظيفة الترفيهية للإعلام.
وقد حظيتُ بشرف، ومتعة، المشاركة في إنتاج قصص ساهمت في تغيير حياة كثير من الأسر والأشخاص، خصوصاً الحالات الإنسانية والمرضية التي تناولناها فأبرزناها للعالم وكنا سبباً في إيجاد متبرعين لها من حول العالم، وكلن ذلك في سلسلة (قصة إنسان) التي أنتجها قسم الميدانيات (VJs) بقناة الجزيرة الرقمية (الجزيرة بلس)، أتذكر كل القصص وأصحابها من ذوي الإعاقات والأمراض والظروف الإنسانية الصعبة، فقد كنا نتابع الأشخاص ونحرص على إيصال صوتهم، وفي أغلب الحالات يجدون من يتبرع لهم بما يغير حالاتهم، ومن أسعد الأوقات أن نقوم بقصة متابعة (follow-ups) عن أحد الأشخاص بعد أن لقي الدعم وتم علاجه أو إيجاد حل لقضيته، فنراه سعيداً فرحاً بعد حالته الأولى، خاصة إذا كان المعنيُّ طفلا، ومن هذه القصص التي ساهمتُ فيها قصة مدينة العميان (دالي كمب) في الشرق الموريتاني، فما زال كلام الأطفال وهم يتمنون رؤية أهلهم ورؤية السيارة في أذني حتى الآن، وكذلك كلام أهل القرية من العميان ووصفهم ظروفَهم المعيشية، وكم فرحتُ عندما شاهدتُ حجم التفاعل مع قصتهم، وما جلبت من تعاطف معهم واستعداد لمساعدتهم عبر العالَم، وقد قيض لهم الله من سعى في التخفيف عنهم ودراسة الجين المسؤول عن هذا العمى الوراثي.
ومن القصص التي أحزنتني ثم أفرحتني، قصة طفل مشخص بمرض يشبه مرض الشيخوخة المبكرة (Progeria)، حيث كانت تبدو عليه أعراض التقدم في السن رغم أنه طفل وكان ذلك سببا في تركه المدرسة لاستهزاء زملائه وسخريتهم منه، وكذلك لم يعد يخرج للشارع لنفس السبب وكان يعيش طفولة غاية في الصعوبة، وأهله فقراء لا يستطيعون مساعدته ولا علاجه، وعندما أنتجنا القصة وبثثناها لاقت تفاعلا كبيرا، وبعد سنة أنتجنا عنه قصة وهو في النمسا حيث تكفل محسنٌ نمساوي شاهد القصة مترجمة في القسم الإنكليزي للقناة فقرر أن يتبنى قضية الطفل، وكان متبرعون آخرون قد مكنوا الأسرة من الذهاب إلى إسطنبول قبل ذلك، فرأينا الطفل يتماثل للشفاء، يلعب ويذهب إلى المدرسة بشكل طبيعي.. وهذه أكبر جائزة يمكن أن نحصل عليها عن قصة.
كما أتذكر البنت مريانا من الأردن التي كانت تعاني من الشلل، ولم يكن في استطاعة الأسرة توفير العلاج لها الذي يكلف مبالغ طائلة، وكيف أنهم صاروا يبيعون الورود لجمع المال، وبعد أن أنتجنا القصة وجدت متبرعا وتم جمع المبلغ المتبقي وسافرت إلى أمريكا لإجراء العملية.. 
وكذلك تلك المرأة التونسية التي تحمل ابنها المُقعد على ظهرها يوميا لحضور دروسه في الجامعة، وكيف أثر تناولُنا لها على حياتها وحياة ابنها.
ومن مزايا هذا النوع من الإعلام هو بث الروح التفاؤلية والنظرة الإيجابية للحياة في المجتمعات، وأن العالم بخير رغم كل ما يجري من حروب ومجاعات وفظائع، وإلهام المتلقين للقيام بدور إنساني مجتمعي، فعندما نشاهد هذه القدرة على التأثير الإيجابي، نتفاءل بقدرتنا أيضاً على عمل شيء للناس والتطوع للمساعدة، لتخفيف ألم، أو إنقاذ شخص، أو على الأقل المواساة، كما أنه ينشر ثقافة الإنسانية والرأفة والمسامحة فضلا عن التعريف بأهمية التبرع والتطوع.
الأمثلة كثيرة في هذه السلسلة وهي موجودة على منصات الشبكة الرقمية، وهي عندي من أهم أسباب السعادة أن تحس أنك تُحدث تأثيراً إيجابياً على كثير من الأشخاص المحتاجين، فتكون سببا في إزالة معاناتهم وتفريج كربهم، ولا شيء يعدل عندي ذلك الشعور، خصوصا أنهم أشخاص لا تعرفهم ولا تربطك بهم أية أسباب شخصية غير الإنسانية، فهم من دول وخلفيات وأعراق وثقافات متنوعة.

كشكول الحياة (10).. بين الكُتُب (د)

من طه حسين وأيامه، إلى زوربا اليوناني، وسجن العمر..إلى العراب!
الأيام لطه حسين:
أول كتاب أقرأه لعميد الأدب العربي طه حسين كان ترجمته لرواية فولتير "القَدَر" أو la destinée بالفرنسية.
وكانت لغة الدكتور جزلة ولكنها أيضا قديمة التراكيب، فتجد كثيرا من عبارات مثل موغل في كذا.. لكن الرواية جميلة وشرقية الهوى بامتياز..
قرأت له بعد ذلك جنة الشوك وحديث الأربعاء ومع المتنبي.. لكنني هنا سأقف مع كتابه الأيام.. فما زلت أذكر ذلك "الفتى" كما يدعو نفسه وأتمسّك به متعلّقا بجوّه وأحاديثه وحكاياته ونظرته إلى الدنيا التي لم يعرف هيئتها ولا ألوانها ولا أوصافها، قراءته متعة حقيقيّة حتى كأنّك رفيقه في الكتّاب أو الأزهر أو في مكاتب الجريدة أو في مقاعد الجامعة وصولا إلى باريس... لا يبارحك سؤال طيلة صفحات الكتاب: كيف لمن ولد ضريرا لا يعرف معنى الضوء من العتمة ولا الأسود من الأبيض ولا الربيع من الصيف، كيف ينظر وأيّ قيد وسجن ووحدة هي ذاتُه، كيف لرهين هذا المحبس أن يصف لنا الدنيا ويسكننا ويرينا ذكرياته؟
هذا رجلٌ يستحقّ أن تحترمه وتكبره وتنحني لحلمه وجرأته وجهده ليعيش فوق الأرض لا خلف العمى.. شقّ من خلال العتمة دربا لم يطمح له المبصرون القادرون المالكون جماع أمرهم، مهما اختلفنا معه أو صدمنا شيء من آرائه أو حتى لو اعتبرنا شيئا من نظراته في الشعر أو الدين خطأ بعيدا عمّا نرضاه ونألفه، فلا نملك - ولا يجوز لنا- سوى هذا الاحترام والإكبار لهذه القامة الباسقة.
إنها رواية في المقام الأول عن العلم، قصة حياة عالم بل علامة، تتحدث عن النفس التواقة للعلم والترقي وما تعانيه في الحياة من كدح وشقاء وعناء، صارعته الظروف السيئة والآفة في عينيه والفقر، بل صارعته نفسه وكرامته وجرأته.
لقد كان رجلا وحيداً يحارب في أكثر من ميدان، رجلاً يدين بالفضل للكثيرين ولا ينكر، ولم يُنسه ما وصل إليه من علو في المقام وتأثير في الواقع، ما عاناه ومَن يدين لهم بالفضل، إنها رواية لا تتحدث عن قصة حياة شخص بل قصة حياة أمة وحقبة من التاريخ عانت من الصراعات السياسية والراديكالية، والريف والشعب المعزول عن كل هذا وما فيه من خرافات وجهل وتخلف أودى بعيني هذا الرجل، ثم تنتقل لتتحدث عن الحياة في ربوع الأزهر بعد أن أرانا العلم في ربوع القرية البسيطة، وما أروع الوصف والتوضيح من رجل تتوق نفسه للعالَم بأشكاله وألوانه.وهنا يأتي ذكر الشيخ الشنقيطي، الذي كانت له حلقة في الجامع الأزهر.. الشيخ محمد محمود ولد التلاميذ رحمه الله ثم نسافر مع صاحبنا إلى أوروبا ونرى الفارق في تقدير العلم وصعوبة تحصيله وقصة كفاحه في تعلم اللغات وفي سبقه للعديد من الرتب والإنجازات التي لم يسبقه إليها غيره، بعد أن كنا رأيناه أصلاً شاهداً على بدايات عصر الجامعة في مصر وأعطانا صورة عن تلك البدايات ونجاور في قصته شخصيات بارزة ومؤثرة في التاريخ المعاصر، بل وفي التاريخ القديم حيث تتوازي قصته مع أبي العلاء وما تؤول إليه حياته في النهاية من صدام مع البلاط الحاكم.
كل هذا في لغة طه حسين الشعرية البليغة المتمكنة الرائعة الرقيقة التي تفطر القلوب في وصف لحظات الألم والتي ترتقي بالنفس لسموها ورقيها.
زوربا اليوناني:
هذه رواية من الروايات ذات الأبعاد الفلسفية التي تجعلنا نعيد تقييم حياتنا نظرا لأنها تقدم لنا نموذجين مختلفين جدا، باسيل المثقف الثري الراغب في استثمار أمواله، وألكسيس زوربا الرجل الأمي الذي عجن ثقافته بطين التجارب والأسفار وهي الثقافة التي أتاحت له أن يكوّن موقفا مختلفا من الحياة قوامه صون إنسانيته من كل التهديدات يقول: “تخلصتُ من الوطن، تخلصت من الكاهن، تخلصت من الماء. إنني أغربل نفسي. كلما تقدم بي العمر غربلت نفسي أكثر. إنني أتطهر. كيف أقول لك؟ إنني أتحرر، إنني أصبح إِنسانا”.
وبين الشخصيتين تتجلى طريقتان للعيش، بين المثقف المنطوي وبين العجوز المرح الذي يعيش الحياة ويتمتع بها لأقصى حد ممكن دون قلق ولا تفكير عميق..
أما أسلوب الكاتب فهو الدافع الرئيسي التي يجرك خلال الصفحات طوعًا، في "زوربا اليوناني" تجد "نيكوس كازانتزاكيس" يبدع في الوصف والتشبيهات فالألوان تلطخ وجهك وتعلق الروائح في راحتيك. تشبيهاته، اقتباساته، طريقته الأخّاذة في الشرح، ولا أستثني قدرة المترجم الرائعة على توصيل هذا الإبداع ووضعه في قالب عربي دون أن يختل.
فلسفة الكاتب رائعة، ففي هذه الرواية يحكي عن اللذة والمتعة والألم إلى جانب الحياة والموت، ويغوص في تلافيف العقل الإنساني ويطرح الأسئلة على الطاولة بكل جرأة. كما يتطرق إلى الصفات الإنسانية كالتعود ويوجِد لها حلولًا.
هذه الرواية باختصار: تساعدك على أن تكبر.
سجن العُمر
سجن العمر هو البدايات، حيث توفيق الحكيم طفلاً وصبياً وشاباً، وزهرة العمر، توفيق الحكيم الرجل الذي يطلب الدكتوراه في باريس.
هنا كان الحكيم يتحدّث مع نفسه، أثناء حكايته عن أبيه وأمّه، والظروف التي أحاطت به وبتعليمه، وبانتقاله من بلدة لأخرى ومن بيت لآخر. ويفرد لطباع الأب والأم كثيراً، ظنّاً منّه أنّه استقى منهما طباعه التي سُجن بها. كان صريحاً بصورة كبيرة، وحكى في سلاسة وإمتاع عن تفاصيل تكوينه، وما أحاط به وأثّر عليه، ودراسته للحقوق، وكرهه للرياضيات (وهو شيء أشاركه فيه وربما أزيد)، وبطء فهمه، وكسله، وحبّه لفن المسرح، ومساعيه من أجل التفرّغ له.
من الفصول المؤثرة، مشهد وفاة والده، حيث حكاه بطريقة غاية في التأّثر.
"الإنسان حر في الفكر، سجين في الطبع" "زهرة عمرنا هي الفكر، وسجن عمرنا الطبع"
هكذا لخص توفيق الحكيم سيرته الذاتية الثانية "سجن العمر" عن الطبع، والتي كتب قبلها "زهرة العمر" عن تكوينه الفكري والثقافي ولهذا الترتيب مدلول واضح.
الطبع الذي وصفه الحكيم بالثقوب التي تنسل بها الأيام من تحت أيدينا، تجبرنا على ارتداء عباءة الوالدين. ثم يطرح قضية أخرى، هل موهبة البعض سببها رغبة مكبوتة عند الآباء لم تسمح لهم ظروفهم بتحقيقها؟ وهل لو أفرغ الآباء مواهبهم لحرموا منها أبناءهم؟ وهل انصراف أبناء مشاهير الأدب عن الأدب دليل على ذلك؟
جذبني حديثه المطول عن أصوله وتفاصيل جذوره العائلية على الرغم من طبعه الذي وصفه بالانطوائي، نجد وصفه لعائلة والدته وأصولها وجدته وبناتها وأزواج بناتها، ووصفه لعائلة والده وجده والأبناء وزوجاته وأبناء أبنائهم، تفاصيل كثيرة قد تبدو غير مهمة لكنها مؤثرة في النهاية في تكوين طباع صاحب السيرة.
العراب، الدكتور أحمد خالد توفيق:
تعرفت إلى هذا الكاتب، الطريف خفيف الظل في سخرية لاذعة رغم أنه يكتب أدب الرعب، وأنا في الجامعة، ورغم شكوكي حول مناسبته لي كمحتوى مختصر وشكي العميق في أن سلسلة للجيب تستحق القراءة إلا أنني بعد  قراءة أول عدد من سلسلة ما وراء الطبية أعجبتني وصرت أقتنيها أولا بأول وما زالت إلى الآن في مكتبتي الشخصية، وبعدها سلسلة “سافاري” و”فانتازيا” إضافة إلى المقالات التي كان يكتب في مجلات مثل مجلة الشباب و”كلمتنا” وغيرها، إن قلم الدكتور أحمد خالد توفيق قلم أنيق وجميل، واستطراداته العلمية مفيدة وسخريته عميقة، وهذه السلاسل مفيدة جدا للمبتدئين في المطالعة لأنها ستجذبهم لإكمالها وعندما ينتهون تكون القراءة قد أصبحت عادةً عندهم..
رحم الله الدكتور فقد جعل الشباب يقرأون كما تمنى يوما أن يُكتب على قبره، سلام عليك يا دكتور يا طيب، (وحتى تحترق النجوم..)

كشكول الحياة (10).. بين الكُتُب (د)

كشكول الحياة (9).. بين الكُتُب (جـ)

النّجيب (ب):
رواية الشحاذ:
بحثٌ عن السلام الداخلي! هل هو في العائلة، في الأصدقاء، في الوظيفة، في الثروة! لماذا يميل الناس إلى البحث عن الأشياء التي ليست لديهم، بينما لديهم كل شيء آخر تقريبًا!
عندما يكون لدى شخص ما عائلة، أو أصدقاء مقربين، أو وظيفة جيدة، أو ثروات، لكنه ما يزال غير سعيد، ما يزال يتعذر عليه أن يجد قيمة خاصة به، وهدفا في الحياة، ولذلك يعيش في بؤس، تخيل أن رجلاً ناجحًا يقرر فجأة أن يدمر حياته ببطء، ويفككها، ربما بسبب شهوة أو حسد.
وجد السيد عمر نفسه في أرض قاحلة مهجورة مليئة بالألوان، أصبحت الآن قاتمة، بلا حياة، وذلك بفعل قلقه الوجودي. بفعل السؤال الذي غزا منذ فترة طويلة العديد من النفوس على مر السنين، وأرسلهم إلى طريق القلق الوجودي المزمن، والاكتئاب المزمن. السؤال الذي لا مثيل له؛ في الواقع، إنه سؤال كل الأسئلة. وهو هل هناك معنى للحياة؟ سؤال مدمر يصيب هذا الشاعر السابق، ليجعله يغادر مكتبَ المحاماة، وابنتيه، وأقربَ أصدقائه، والحياةَ في نهاية المطاف، للذهاب إلى الله. في انتظار اللحظة الذهبية لرؤية الحقيقة تظهر من الفراغ.
السيد عمر يسعى لإيجاد علاج للقلق الوجودي، وفشل فشلاً ذريعًا في العثور على الأشخاص الذين يعتز بهم أكثر من غيرهم وإذا بهم يجدون أنفسهم في بؤس سخيف جدا وغير ذي صلة بكل ما تدور حوله الحياة حقا.
الرواية من الروايات الفلسفية التأملية حسب رأيي وسأورد اقتباسات بقيت معي منها:
 ألا تخاف الوحشة في الخلاء؟   -أرهقتني الوحشة في الزحام.
الدواء الحقيقي بيدك أنت وحدك. لعل سر شقائي أنني أبحث عن معادلة بلا تأهيل علمي.
ولأنه لا يوجد وحي في عصرنا فلم يبق لأمثالك إلا التسول، التسول! في الليل والنهار... في القراءة المجدبة والشعر العقيم.. في الصلوات الوثنية في باحات الملاهي الليلية. في تحريك القلب الأصم بأشواك المغامرات الجهنمية.

قلب الليل:
الرواية هي مثل سابقتها عمل فلسفي رائع عن حياة الإنسان، من الصِغر حتى الكِبر، مراحل حياة جعفر الراوي، تبدأ من النشأة الدينية صغيرًا، ثم مرحلة الجنون والسعي وراء القلب والشهوة، ثم مرحلة النضج والإيمان الكامل بالعقل، ثم مرحلة الحقيقة أو كما دعاها المأساة.
يتخبط جعفر في هذه المراحل سعيًا وراء المجهول..
أفضلها من حيث الفكر مرحلة ما بعد الزواج والنضج، وفي هذه المرحلة آمن جعفر بأن العقل فقط هو المتحكم في الإنسان وألّا مجال للقلب للتحكم به، هذه الفترة التي يسعى فيها لفهم الإله، حيث لا يهديه عقله ولكنه بعد الكثير من البحث والتفكير وحين يسأل عمّا توصل له بعد عمر طويل، يتنهد ويقول: "إني عاجز عن الكفر بالله".
وحينما أراد أن يعرف أكثر عن السياسة وعن كل هذه المذاهب، لم ينل أيٌ منها إعجابَه، لكنه توصل لمذهب مختلف، مذهبٍ كتبه متحديًا اليسارَ واليمين معًا.. لكن المأساة تحدث عندها، أو هي الحقيقة، في أن المشاعر هي المسيطرة بشكل كبير على الإنسان، حتى لو وصل لأقصى درجة من النضج فلن يستطيع الاعتماد على عقله فقط، العقل وحده ليس بقادر على إدراك الإله، العقل وحده يجعل الإنسان باردًا.. الحقيقة في أن الإنسان لن يصل للكمال مهما كان عقله فذًا.
وسأورد منها اقتباسات مثل: حقاً كانت توجد لحظات خائنة حتى في أيام السعادة الخالصة... ولكن ما هي اللحظات الخائنة؟ هي اللحظة التي تنفصل فيها عن تيار حياتك فتقف على ربوة فوق الشاطئ لتراقبه بدهشة. في تلك اللحظة كنت أشعر بأن ثمة شخصاً قد ضحك علي، قد جرعني مقلباً.. وأسألُ نفسي عما حدث.
نحن نتكلم عن القلب كنبع للإيمان، ولكن تذكر أن الله لم يعبده إلا الإنسان العاقل، فالواقع هو أساس الإيمان، ولكن عجزه النسبي عن إدراكه - مع حرصه عليه - جعله يرجع الإيمان به إلى عضو آخر هروبا من التناقض.
ماذا حدث يا جعفر؟ - فالتفت نحوي قائلا: -إني أتساءل أيضا عما حدث!



Thursday, October 10, 2019

لغة الإعلام الحديث، بين العامية والفصحى.







كشكول الحياة (8).. بين الكُتب (بـ) / النّجيب (أ)

 تعرفت إلى الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ عبر ثلاثيته الشهيرة، بين القصرين، قصر الشوق والسكرية، وقد أعجبتني أيما إعجاب، بعد ذلك اقتنيت أغلب أعماله وكانت في طبعات صغيرة ورخيصة تناسب طالباً في مثل ظروفي، ورغم أنني جئت مصر وهو فيها إلا أنني للأسف لم ألقه، ومن أفضل أعماله عندي ملحمة الحرافيش، حيث الحياة والتاريخ بكل تحولاتهما وتناقضاتهما، وهي من أشهر أعماله المتداولة، وتستحق دراسة لها وحدها، وكذلك روايات، خان الخليلي، اللص والكلاب، زقاق المدق، بداية ونهاية..
لكنني سأقف هنا فقط عند بعض الروايات الأقل شهرة والأكثر عمقا حسب رأيي.
حضرة المحترم
أحببت هذه الرواية البديعة لنجيب محفوظ وأحببت تعبيراتها التي أراها شِعريةً أكثر من كونها سردية روائية، وسأورد هنا منها اقتباسات للتدليل على ذلك، إن نجيب يقدم لك حياة موظف حكومي رأى في الوظيفة كلَّ الحياة، فانغمس فيها بكل ذاته مهملا كل جوانب الحياة الأخرى حتى الجانب الإنساني وما بداخله من مشاعر مختلفة.
أهمل أعوام حياته ورأى أن هذه السنين وُجدت لتضيع في الوظيفة وأن المال وُجد ليكنز.
قضى كل عمره حالِـما بمنصب أتاه وهو على فراش الموت ليخرج صفر اليدين من الدنيا بلا عائلة ولا أصدقاء.
في الرواية تعريف مجمل بالنظام الحكومي العتيق في المجتمع المصري ما قبل ثورة 52 والذي لم يتغير كثيراً بعد الثورة ومن عاش في مصر يدرك مشكلة البيروقراطية.
وعثمان بيومي، رجل فقير لا يعيش معه أفراد من العائلة، يبدأ العمل كبيروقراطي في الدرجة الثامنة في قسم الأرشيف أو المحفوظات في إحدى الوزارات. كان لديه هدفٌ سامٍ هو أن يصبح يوما ما المديرَ العام. وهو يتسلق مستويات الدرجات في البيروقراطية بحماس منقطع النظير تقريبًا، عن طريق أخذ فصول تعليمية، والعمل لساعات إضافية، وأداء مهام الترجمة، ومجاملة وحتى تملق الأشخاص الذين هم في المناصب العليا. ساعده ذكاؤه وأخلاقياته في العمل وسحرُه على تسلق سلّم الحكومة.
خلال حياته المهنية، يرفض عثمان مرتين الزواج من نساء يحببنه لأنه يريد زوجة ذات خلفية مفيدة قد تساعده في الفوز بمنصب أعلى في العمل. إنه لا يخصص الوقت لأي شخص يريد أن يصادقه، ويحفظ كل أمواله. تدور حياة عثمان حول طموحه، ويتخلى عن فرصه في الحب الحقيقي والأسرة. إنه في الحقيقة لا يستمتع برحلة الحياة لأن سرور النجاح يتلاشى مباشرة بعد كل مرة يحصل فيها على منصب أعلى أو ترقية.
عثمان شخصية مثيرة للاهتمام، تناوبتُ بين الشعور بالتعاطف معه، والرغبة في إلقاء شيء عليه لإيقاظه للحياة وإخباره أن المال ليس كل شيء وأن الحياة في الأسرة والأصدقاء أهم من كل شيء.
رواية تستحق القراءة وقد قرأتها شخصيا مرات لأخذ العبرة، وللمتعة الفنية أيضا.

كشكول الحياة (8).. بين الكُتب (بـ) / النّجيب (أ)

كشكول الحياة (7).. بين الكُتُب (أ)

أحببتُ الكتب منذ الصبا فصرت ممن يصفهم الإنكليز بعبارة bookworm
أتذكر ولعي بها وندرتَها هنا وأنني طولَ إقامتي في مصر ما انتقلتُ من شقة مؤجرة إلى أخرى إلا وخلفت فيها كتباً لم أستطع حملَها.. فأفارقها فراقَ وامق..
فأكون كما قيل إنه كانت لأبي الحسن الفالي الأديب اللغوي نسخة في غاية الجودة من كتاب الجمهرة لابن دريد دعته الحاجة إلى بيعها فاشتراها الشريف المرتضى بستين ديناراً فلما تصفحَها وجد بها هذه الأبيات بخط بائعها:
أنِستُ بها عشرينَ حولاً وبعتُها***وقد طال وجدي بعدها وحـنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها **** ولو خلدتني في السـجون ديوني
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ *** صـغارٍ عليهــم تسـتهلُّ شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرةٍ **** مقالةَ مكويِّ الفــؤاد حــــــزينِ
وقد تُخرج الحاجات يا أم مالك. ***. كرائـمَ من ربٍ بهن ضـــنين.
فرد الشريفُ الكتابَ إليه ووهبه المال!
وحتى الآن ما زلت لا أستبدل الكتاب الورقي بأي جليس.. حتى أنني أحن أحياناً إلى رائحة الورق.. وطقوس القراءة في أوقات نسرقها من الحياة لأنفسنا.. وقد قلت سابقاً:
أَحِنُّ إلى بوحٍ سُحيراً ولَقْيَةٍ *** إليها مسافاتُ الحنينِ تُجابُ
ومِمَّا يَسُرُّ النفسَ مَجْلِسُ خلْوَةٍ**نَــديمايَ، شايٌ جيِّدٌ وكِتابُ.
وسأتناول في هذه الصفحات بعضا من الكتب، خصوصا الروايات، التي أثرت فيّ أو أعجبتني، مع تلخيص لأهم ما ورد فيها، لعلها تكون حافزا للمطالعة والرجوع للكتب في عالمنا العربي الذي نسي عادة القراءة للمتعة، فأصبح يقرأ فقط ما تفرضه عليه الدراسة أو العمل.
ذكريات من معارض الكتاب:
مواسم معرض الكتاب هي مواسم حماس وترقب جميل للأحدث والأندر من الكتب، ولكنها أحيانا تأتي وليس في الجيب ما يُشبع نهم العين والفكر إلى مطالعة الجديد والمختلف، وسنواتي بالقاهرة كنت أحرص على حضور معرض الكتاب حتى ولو لم يكن عندي ما أشتري به شيئاً، فهناك خيام وندوات وشعراء ينشدون وحفلات توقيع ونقاش الإصدارات الجديدة وغيرها من الأنشطة المصاحِبة، كما أن مجرد تصفح العناوين متعة بالنسبة لي، ويُعينني على اتخاذ قرار الشراء لاحقاً عندما تسمح الظروف، إنه موسم ثقافي بطله الكتاب وأي بطل!
لكنني ما زلت لا أفهم القيمة التسويقية لبعض التصدير أو الإهداء (غير الشخصي طبعا) في مقدمات أو على أغلفة بعض الكتب خصوصاً تلك التي تحمل عبارات مثل "قالوا عن الكتاب أو عن الكاتب" وكأن القارئ غيرُ راشد ويحتاج من يشرح له لماذا هذا الكتاب الذي اشتراه ويقرأه هو كتاب مهم وصاحبه من شأنه كذا وكذا.. إلخ.
هذه الشهادات لا أراها تنفع بل ربما العكس، فلندع الكتاب يتحدث عن نفسه، ولا داعي لآراء وشهادات الكتاب الآخرين ومراجعي الكتب book reviewers وقد أصبحت هذه مهنةً على غرار تقييم ومراجعة الأجهزة الإلكترونية الجديدة وكل ما ينزل السوق..
بالإضافة إلى أن كثيراً من الكتب التي حظيت بتقريظ وثناء الكُتّاب والمراجعين لم تكن على مستوى التطلعات، كما أن الكتب التي تعتمد على التذوق الفني والأدبي بالخصوص تخضع للذوق والحِسّ الشخصي وهو ما يختلف من شخص لآخر، فلا مجال لتشارك تجربة قراءتها مع الآخرين لأن كلنا يفهم ويتذوق هذا الفن والأدب بصورة خاصة به وتتدخل في هذه العملية عوامل كثيرة مثل التنشئة، المستوى العلمي التجارب السابقة إلخ..
لذلك أرى ألا مكان للمقدمة في الأعمال الأدبية، سواءً كانت بقلم الكاتب أو الأديب نفسِه، أو بقلم آخر.

كشكول الحياة (7).. بين الكُتُب (أ)

كشكول الحياة (6).. هل يشوه فيسبوك وأمثاله عقولنا؟!

إن مسألة مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها فينا نفسيا أصبحت مسألة بادية للعيان، ومن أهم مظاهرها هذا الجوع والنهم للإطراء وإدمان المجاملة من الطرفين المُجامِل والمجامَل، حتى أضحى السكوت عن منشور ما وكأنه خيانة لصاحبه! كيف لم يُعجب فلان بمنشوري؟ كيف لم يعلق!
ولعل من أخطر الظواهر المرتبطة بالتواصل الاجتماعي هي المقارنات الظالمة، Unfair comparison، حيث نرى المنشورات الرائعة ونرى حياة المشاهير ونقارن أنفسنا بهم أو بالصورة – المزيفة غالباً – التي يصنعونها لأنفسهم، وهي صورة مثالية غير واقعية، كما أننا نهمل الجوانب الأخرى الغائبة من الصورة..
وأحب أن أعطي مثالا شهيرا على هذه المسألة، فلو أخبرتكم أن صديقي عبد الله مميز فهو يقرأ مدة ربع ساعة كل أسبوع، لكن أحمد أكثر تميزا بكثير فهو يقرأ ساعة كاملة كل يوم بانتظام، من الواضح أن أحمد أكثر تميزا ونجاحا من عبد الله في هذه الصورة، لكنها صورة ناقصة كثيرا فقد أغفلتُ تفاصيل حياتيهما الأخرى..
فانظر إلى التفاصيل الآن:
عبد الله                                               أحمد
عمره 20 عاما                                      تجاوز الثلاثين!
هو المعيل الوحيد لأخواته                    من أسرة ميسورة الحال
يعمل بدوام كامل                            يعمل في شركة والده بدوام مرن flexible hours
يعاني من ضعف النظر                            سليم الجسم
فانظر كيف اختلفت الرؤية لديك عنهما! وكلما زدنا التفاصيل كلما اتضحت الصورة أكثر وأكثر، فالمرة القادمة التي ترى فيها أحدهم بصورة مثالية على مواقع التواصل وتحس بأنك فاشل أو جاهل أو فقير أو تعيس.. فتذكر أنك ترى جزءاً صغيراً فقط من الصورة، وهناك تفاصيل مُغفلة لا تعرفها وربما غيرت الصورة تماما.
فاحذروا من فخ المقارنة، فالمقارنة الوحيدة المطلوبة هي أن تقارن نفسك بماضيها فقط، كيف كنت في الماضي وكيف أصبحت اليوم، فهذا يدعوك للتحسين والتطوير الذاتي بعيدا عن الإحباط وتبخيس نفسك بمقارنتها بآخرين يختلفون عنك في ظروف حياتهم وتنشئتهم وحتى جيناتهم.. إلخ.
فكم أثرت هذه الوسائل على ثقة الشخص بنفسه self-esteem وقيمته في الحياة self-worth، وكثير منا يعرض نفسه فيما يسمونه في الغرب العملة الاجتماعية social currency، أي أنك تقيم صورك ومنشوراتك وشكلك بعدد الإعجابات أو التعليقات التي تحصد، فكلما زادت زادت القيمة وكلما نقصت نقصت القيمة! وكأننا نعرض أنفسنا في المزاد! فكم منا نشر صورة أو منشورا ولما لم يلق الإعجاب المتوقع أحبط وحذفها من حسابه؟ وهذا اعتراف ضمني بأن قيمة ما ننشره – وبالتالي قيمتنا نحن – تتحدد بعدد الإعجابات والتفاعل معها من طرف أناس لا نعرف أغلبهم، ومستوياتهم متفاوتة معرفيا وأخلاقيا.. إلخ ومع ذلك نسمح لهم بتقييمنا بل نقيم أنفسنا اعتمادا !
Facebook
 
Twitter
  
WhatsApp
 
Share

Monday, September 23, 2019

كشكول الحياة (5).. روح القطيع!

هناك نظرية في الإعلام مفادها أن الناس يحبون دائما أن يكونوا موافقين للآخرين، في آرائهم وتصرفاتهم، لكي يكونوا مقبولين اجتماعيا، وهي حاجة يقول أصحاب علم النفس إنها متجذرة في البشر، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ويحب أن يكون مقبولا في مجموعته، ولكن هذه الحاجة البدائية قد تدفعنا من حيث لا ندري إلى أن نكون تابعين للقطيع، فتختفي شخصياتنا وآراؤنا الخاصة، ونصبح نسخا مكررة، وقد قام أحد العلماء بتجربة بسيطة، حيث رسم ثلاثةَ خطوط متفاوتةِ الطول، وطلب من مجموعة متطوعين أن يختاروا الخط الأطول، وأخبرهم أنه سيضع نقطة أمام كل خط اختاره شخص ما، من مجموعة ثانية من المتطوعين، وأعطاهم الورق فيه نقاط كثيرة أمام خط معين، وليس هو الأطول.. ولكن المتطوعين كلما رأوا أن أغلب الناس اختاروا هذا الخط اعتقدوا بدورهم أنه هو الأطول ومضوا معهم واختاروه أيضا.
وقضية موافقة الأكثرية هذه تلعب عليها وسائل الإعلام وخصوصا وسائل التواصل الحديثة لأنها توهمنا أن الأغلبية مع هذا الرأي مثلا، وحتى في السياسة، تعطي بعض الجهات على هذه الوسائل في جميع استقصاءاتها بإعطاء نسبة أعلى لمرشح معين، عبر ما يعرف بجيوش "الذباب الإلكتروني" لإيهام الناس أن هذه هي الأغلبية وبالتالي التأثير عليهم.. 
والمتأمل لهذه الوسائل يرى كيف تؤثر بهذه التقنيات على الناس على مستوى اللاوعي، Subconscience .
ومن النظريات المعروفة في الإعلام أيضا والمطبقة بكثرة للتأثير على المتلقين، هي نظرية "confirmation bias" أو الانحياز التأكيدي، ويعني أن الإنسان يميل إلى تصديق واستقبال ما يتناسب مع معتقداته وآرائه وخبراته السابقة ويعضدها، فنرى المحافظين يتابعون القنوات المحافظة والجرائد والمواقع المحافظة وكذلك الليبراليون والتقدميون كل يتابع في الأغلب الأعم ما يناسب معتقداته السابقة ويعضدها، فإذا أردنا أن نؤثر عليه راعينا ما يعتقده حتى لا يكون هناك تعارض بين رسالتنا وبين معتقداته.
وهذا التعارض يسمى cognitive dissonance أو التنافر المعرفي.
وفي إطار تأثير الرسائل الإعلامية علينا أيضا عبر وسائل التواصل يقومون بزيادة غير حقيقية في عدد متابعي شخصية معينة، فيظن المتلقي أنها لا شك تستحق الاستماع لها لأن كل هؤلاء الناس يتابعونها، ويتفاعلون معها، ومن هنا جاءت مسألة شراء الروبوتات الرقمية لزيادة المتابعين والمتفاعلين، وحديثا قامت هذه المواقع بمحاولة للتصدي لهذه الممارسات عبر إخفاء عدد المتابعين أو عدد من شاهدوا مقطعا معينا على يوتيوب مثلا حتى لا تستخدمه شركات الدعاية في التأثير على الناس.

كشكول الحياة (5).. روح القطيع!

Wednesday, September 18, 2019

كشكول الحياة (4) أيها المغترب!



الحياة هي ما يحدث لنا بينما نخطط لأشياء أخرى..
أعتقد أن هذه المقولة تنطبق علينا جميعا ولكنها تظهر أكثر لدى المغتربين، فالمغترب دائما، ربما في لاوعيه، يعتقد أنه خارج الزمن، وأن الزمن سيبدأ عندما يرجع إلى وطنه، فيؤجل معظم أو كل مشاريعه وأهدافه إلى أن يرجع، وهذه الفكرة عموما موجودة لدى الإنسان في كل مرحلة من مراحل عمره، فهو إما صغير ينتظر الكبر، أو مسافر ينتظر الرجوع أو طالب ينتظر التخرج، أو عاطل ينتظر التوظيف.. وهكذا.
ولا يدري معظمنا أن الحياة لا تتوقف ولا تنتظر أحدا ولا شيئا، فنحن في انتظار هذه الأشياء ننسى أن الحياة تمر سريعا، ونحن في انتظار شيء ما حتى نبدأ الحياة ولكن أغلبنا لا ينتبه إلى هذه القضية مبكرا، فهو يمضي من طالب ينتظر انتهاء الدراسة، إلى عاطل ينتظر الوظيفة، إلى موظف ينتظر الترقية، ثم الزواج والأولاد ثم فجأة يجد الشباب والحياة عموما مرت بين يديه!
وبالنسبة للمغترب فالحالة أشد لأنه دائما يؤجل الحياة إلى أن يحصِّل المال ويعود، وهذا في نظري أكبر خطأ، فحتى لو حصل المال تكون الحياة قد فاتته، كما أنه في هذه الدوامة قد لا يحصل ما يكفي أو ربما لا يعرف ما يكفي وبالتالي يستمر في هذه النظرة إلى أن يشيب فيرجع لا يستطيع الحياة لضعفه وشيبته، فتكون الحياة قد فاتته وهو يخطط لأمور أخرى قد تحصل وقد لا تحصل، لذلك فالأهم أن ندرك أن الحياة لا تتوقف، فلا نتوقف عند كل مرحلة ننتظر أن تكتمل، بل علينا أن نعيش خلال كل هذه المراحل، مع الأسرة أولا والأصدقاء، مع العمل على إسعاد من حولنا، وتحقيق ما نصبو إليه من أهداف، فلا أحد يضمن الظروف، لذلك علينا العمل على أهدافنا دائما، ونحن طلاب، ونحن موظفون، ونحن في الغربة.. أي خلال كل هذه المراحل ولا ننتظر أن نُنهيها كلَّها فقد لا نهيها أولا، وقد ننهيها ونكون انتهينا نحن معها!وعلينا أن ندرك أن فكرة الاغتراب لا تمنع الحياة، فلنعشها ولا ننتظر العودة.

كشكول الحياة (3) .. مع القشيري (2)



... تابع للمقال الأول...رغم أن التصوف غالبا ما يكون ملازما للتدين، لكنه يحافظ على استقلالية تميزه عن رجل الدين والفيلسوف العقلي أيضا. مدار الصوفي هو الخَلق وراحتهم وحبهم، بخلاف مدار رجل الدين، الذي غالبا لا يحب غير من يدور في فلكه ويخضع لقراراته، إلا إذا خرج من حكم الطائفة محلِّقاً في فضاء العرفان أو متأثرا بفلسفة إنسانية يقوم بتأويل تدينه من خلالها.
المتصوف يتسامح مع الناس ويشدد على نفسه، وفي رواية صوفية لأبي علي الدقاق: (أن شابا أخرجوه من محلةٍ لفساده، فرأى القطب أمه تبكي، فقام واستشفع له عندهم لخاطرها. وطاف بعد أيام ووجدها تبكي. فسألها: هل أخرجوا ابنك لفساده من محلةٍ ما؟ قالت: لقد مات. فقال: وما حاله وقتها؟ قالت: قال لي لا تخبري الجيران فإنهم يشمتون بي ولا يحضرون جنازتي، وأعطاني خاتما كتب عليه "بسم الله" لأدفنه معه. فنفذت الوصية. وعندما همت بالبكاء على القبر سمعت هاتفا منه يقول: اذهبي يا أمي فإني مع رب كريم).
ورأى محمد الثقفي في منامه رجلاً فيه من أحوال النساء -مخنّث- احتقره الناس، فكان يقول: (غفر الله لي باحتقار الناس إياي).
أما حمدون القصار فكان يقول: (إذا رأيت سكراناً فتمايل لكيلا يبغي الناس عليه - أي لكيلا يرون أنفسهم أفضل منه فيؤذونه بكلام أو فعل -). نستشف من الأمثلة السالفة سعة صدر الصوفي مقابل ضيقه في المفهوم التقليدي للمتدين، فنادراً ما نرى أحدهم لا يحتقر الاثنين.
يضاف في رصيدهم أيضا التسامح الديني، فالكتاب خالٍ من مفاهيم التكفير، بل على العكس، في رواية صوفية عن إبراهيم الخليل: (أنه لقي مجوسيا ولم يطعمه، فسمع ربه يقول له في المنام: إنّا أطعمناه على مجوسيته سبعين سنة وتركنا رزقه عليك يوما واحداً فلم تطعمه!).
يرى الصوفي أن احتقار الخلق من أعظم الشرور، خصوصا مساكينهم، لأنه يلهيك بِشَرِّهم عن شر نفسك. وفي سبيل المساكين قاطعوا الدولة وأغنياءها وجيرانهم، لأنهم من جملة الأغيار الذين بسببهم يتألم الخلق ويجوعون، فكانت امرأة تخيط على مشاعل بيوت السلطان فقال لها أحدهم: لا تخيطي على مشاعل بيوتهم.
وجاء خياط لعبدا لله بن المبارك يسأله أنه اشترى من أحدهم خيوطا وإبرة وخاط ثوبا للسلطان فهل يعتبر من أعوان الظلَمة؟ فقال: إنما أنت من جملة الظلَمة أما أعوان الظلمة فهم من يبيعونك الخيط والإبرة.
نستطيع أن نقول إن المفارقة بين رجل الدين والمتصوف أن الأول يكتسب وجاهته من كلامه وسلطته الروحية وربما من سلطته السياسية، أو بالاشتراك بينهما. أما المتصوف فلا سلطة له ولا جاه، راحته في صمته، وقناعته من زهده، قريب من الخلق في العلانية، بعيد عنهم في السر، يسعى لإطعامهم ويرفعهم من الدونية إلى السواء، كثير الترحال فكرا وجسما، لكن حديث سره غالب على حديث لسانه.

Featured Post

سبعٌ عجاف

ابْيَـضَّـت العينُ من حزنٍ على وطنٍ يُـطـارِحُ الحزنَ مــأســـاةً بِمـــأســاةِ سـبـعٌ عِـجـافٌ ولا عامٌ نـغــــاثُ به فأيـنَ يوسـفُ؟ أين...