الأحد، 4 يناير 2026

ماذا قرأت هذا العام؟

 قوائم القراءة: بين التدوين والتفاخر

 

اعتاد كثير من القرّاء، مع نهاية كل عام، أن ينشروا قوائم بالكتب التي قرأوها أو استمعوا إليها، في لفتة تجمع بين التوثيق الشخصي، والرغبة في التحفيز، وأحيانًا الإعلان الضمني عن علاقة خاصة مع الكتاب. هذه العادة، في ظاهرها، بسيطة ومحمودة؛ فهي تشبه دفتر حسابات ثقافي، أو مفكرة ذاكرة، يعود إليها المرء ليتذكر مساره القرائي، وما الذي شكّل وعيه خلال عام كامل.

 

من هذا المنظور، تؤدي قوائم القراءة وظيفة مزدوجة. فهي أولا أداة تدوين واسترجاع، تساعد القارئ على تثبيت ما مرّ به من عناوين، ومراجعة اختياراته، وربما إعادة التفكير فيها. وهي ثانيًا وسيلة تحفيز، إذ إن رؤية الكتب متراصة في قائمة واحدة قد تشجّع صاحبها على الاستمرار، وتغري غيره بخوض التجربة، أو على الأقل إعادة الاعتبار لفعل القراءة في زمن تتنازعه المشتتات.

 

غير أن الاعتراض على هذه القوائم لا يخلو من وجاهة. فبعضها يتحول، مع الوقت، إلى عرض شكلي، أقرب إلى الاستعراض منه إلى المشاركة المعرفية. عناوين كثيرة، وأرقام لافتة، لكن من دون أثر واضح في طريقة التفكير، أو في عمق التعبير، أو في القدرة على مساءلة الواقع. كأن القراءة، في هذه الحال، تُختزل في إنجاز عددي، لا في فعل تغييري.

وهذا ما يجعل بعض المتحفظين ينظرون إلى قوائم القراءة بوصفها شكلا من أشكال التفاخر الثقافي، أو ما يشبه “سكانر” يمرّ على الصفحات من غير أن يترك أثراً يُذكر.

 

والحق أن الخلل ليس في القوائم نفسها، بل في الكيفية التي تُبنى بها علاقتنا بالقراءة.

فالمعيار الحقيقي ليس عدد الكتب، بل ما أضافته هذه الكتب إلى وعينا، وإلى قدرتنا على الفهم، وإلى طريقة تعاملنا مع الأفكار والقضايا.

القراءة، في جوهرها، ليست سباقاً لكنها تمرين بطيء على الفهم.

وقد عبّر عن هذا المعنى علماء وأدباء قدامى ومحدثون، حين شددوا على القراءة المتأنية، التي تُهضم فيها الفكرة كما يُهضم الطعام، لا القراءة التي تُلتهم فيها الصفحات التهاما.

 

من هنا أميل إلى ترجيح الرأي الذي يرى في قوائم القراءة أداة نافعة، بشرط أن تكون مدخلاً للنقاش والتأمل، لا غاية في ذاتها.

بمعنى أن تكون وسيلة لفتح حوار حول ما قرأنا، ولماذا قرأناه، وكيف غيّرنا، ولو قليلا.

فالقائمة التي تفضي إلى معنى، أو تثير سؤالاً، أو تقود إلى كتابة جديدة، أصدق من قائمة طويلة صامتة.

 

وفي هذا السياق كانت تدويناتي منذ سنوات ضمن سلسلة #بين_الكتب، حيث لم أكتفِ بعرض عناوين قراءاتي، بل توقفت عند ما تركته فيّ من أثر، وما أثارته من أسئلة، وما فتحته من نوافذ.

وبالنسبة لقراءات العام الماضي فقد كانت، في معظمها، استماعا عبر تطبيق Libby للكتب الصوتية، وهي تجربة مختلفة في الإيقاع والتلقي، لكنها لا تقل عمقاً حين تُحسن مرافقتها بالإنصات والتأمل.

وربما أتناول بعضها مما يستحق الوقوف عنه بشيء من التفصيل، فقد أفردت في فيديو قراءة في كتاب (you can't ruin my day) الذي استفدت منه كثيراً وكذلك ناقشنا في نادي كتاب "مجتمع الوراقين" رواية (قشتمر) وكتبت مراجعة لمجموعة (ثورة غباء)، وكذلك لبعض مؤلفات الشاعر الدكتور أدي آدب...

يتواصل بإذن الله على الوسم #بين_الكتب

تجدون هــــنــــا رابط مجموعة قراءاتي 2025 كلها وكذلك كتبي المنشورة 
goodreads
وللأمانة فلم أكمل بعضها فأنا ممن يرى أن الوقت أضيق والكتب أكثر من أن تحبس نفسك على كتاب لا يُضيف إليك أو لا تستمتع به.

محمد ولد إمام

السبت، 13 ديسمبر 2025

اكتسب عادة القراءة

 كيف تتدرج في قراءة كتب الأدب؟


القراءة الأدبية رحلة ذوق قبل أن تكون سباق معرفة، وكل رحلة ذكية تبدأ بخطوة مريحة، لا تقطع النفس ولا تشعر القارئ بأنه دخيل على اللغة. إليك مسارا عمليا ومتدرجا لقراءة الأدب العربي، يبني الذائقة ويقوي الفهم دون إرهاق أو انقطاع.


أولا: ابدأ بما يشبهك لغويا وزمنيا

في هذه المرحلة، لا تبحث عن التعقيد، بل عن الألفة. الهدف أن تعتاد الجملة الأدبية، وأن تتصالح مع الإيقاع قبل أن تطلب العمق.


من القراءات المناسبة:

مصطفى صادق الرافعي – وحي القلم (مختارات).

الأفضل اختيار مقالات قصيرة في البداية، فالنص المقتضب يربي النفس ولا يرهقها.


المنفلوطي – النظرات والعبرات.

لغة عاطفية واضحة، تفتح باب الأدب دون استئذان.


جبران خليل جبران – الأجنحة المتكسرة أو العواصف.

نثر شفاف، بسيط، ومشحون بالإحساس.


غاية هذه المرحلة:

تنمية الذائقة، فهم الأساليب، والتعود على جمال الجملة العربية.


ثانيا: العبور الهادئ إلى التراث المبسط

بعد أن تألف القراءة، يحين وقت الاقتراب من الأدب الكلاسيكي بلغة أقوى، لكنها ما تزال ودودة.


من الكتب المناسبة:

مقامات الهمذاني (مختارات مشروحة بلغة يسيرة).


الجاحظ – البيان والتبيين (مختارات مشروحة).


ابن المقفع – الأدب الكبير والأدب الصغير.

أسلوب مكثف، لكنه واضح، وجمله قصيرة لا تثقل القارئ.


الهدف هنا:

توسيع المفردات، واكتشاف البلاغة العربية في صورتها الأولى.


ثالثا: الأدب الكلاسيكي العميق

حين تشعر أن اللغة لم تعد حاجزا، بل جسرا، يمكنك التوغل في النصوص الكبرى التي شكلت قمة البيان العربي.


من القراءات المقترحة:

رسائل الجاحظ (غير المختصرة).


ابن قتيبة – عيون الأخبار.


الأغاني للأصفهاني (قراءة منتقاة، لا كاملة).


ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون بشرح معاصر، لما تجمعه من أدب وتاريخ وفكر.


الغاية:

الاقتراب من العقل العربي في لحظات نضجه، وفهم كيف كتب الكبار، وكيف فكروا.


رابعا: الأدب العربي الحديث والمتخصص

بعد هذا التأسيس، تصبح القراءة متعة خالصة، وتتنوع الخيارات دون خوف من الضياع.


من ذلك:

طه حسين – الأيام.


العقاد – ساعات بين الكتب أو عبقريات العقاد.


نجيب محفوظ – روايات الثلاثية أو اللص والكلاب.


أدب الرحلات: ابن بطوطة، أمين الريحاني، المسعودي (مختارات).


الهدف هنا:

تنويع التجربة، وبناء رأي نقدي، وتكوين ذاكرة ذوقية خاصة بك.


كيف تدير هذه الرحلة؟

ابدأ بكتاب قصير، وأتمه حتى النهاية، فالاكتمال يصنع الثقة.

ارجع إلى الشروح عند الحاجة فقط، دون إفراط يفسد المتعة.

دون المفردات الجديدة مع سياقها، فالكلمة بلا سياق يتيمة.

اقرأ بتمهل، فالأدب يذاق ولا يلتهم.

نوع بين النثر، والسرد، والشعر، حتى تظل الروح يقظة.


نسأل الله لنا ولكم الإخلاص قولا وعملا.


محمد ولد إمام 

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

ماذا يعني فوز زهران ممداني لنا مسلمين وعربا؟

 

Zohran Mamdani


في مساء غير ملامح السياسة في نيويورك، خرج زهران ممداني من حدود التوقع إلى فضاء الإمكان، لا بوصفه سياسياً جديداً فحسب، بل كرمز لتحول عميق في الوعي الجمعي لمدينة كانت تُعرف بصلابة منظومتها ونفوذ لوبياتها.

فوزه هذا لم يكن مجرداً من الدلالات لكنه كان لحظة تنطق بأن التنوع يمكن أن يتحول من شعار إلى واقع ملموس، وأن المدينة التي كانت تُدار من علٍ بدأت تُصغي أخيراً إلى نبض شوارعها.

في لحظة تاريخية غير مسبوقة فاز زهران ممداني، ذو الأربعة والثلاثين ربيعاً، مرشح الحزب الديمقراطي بمنصب عمدة مدينة نيويورك، مسجلاً سابقة أخرى كأصغر من يتولى هذا المنصب منذ أكثر من قرن، وأول عمدة مسلم لأكبر مدينة أمريكية.

وُلد ممداني في أوغندا لأب أكاديمي من أصول هندية وأم من جنوب آسيا، قبل أن ينتقل صغيراً إلى نيويورك، المدينة التي ستصبح لاحقاً ميدان تجربته السياسية والإنسانية. في حملته الانتخابية لم يسعَ إلى التجمل بالعبارات التقليدية ولا إلى مسايرة الخطاب السائد، بل قدم نفسه كما هو: مسلماً، مهاجراً، تقدمياً، ومؤمناً بأن العدالة الاجتماعية لا تتجزأ.

ومن بين أقواله التي وجدت صدى واسعاً قوله: «أنا أترشح لعمدة نيويورك، لا سفيراً لإسرائيل». كانت تلك الجملة كافية لتفتح عليه أبواب الهجوم من دوائر النفوذ، لكنها في الوقت نفسه جعلته رمزاً لشجاعة الموقف، وصوتاً جديداً داخل المدينة التي تُعد المعقل الأكبر للوبي الصهيوني خارج إسرائيل.

يرى ممداني أن السياسة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن العدالة في غزة مثلها مثل العدالة في برونكس أو كوينز، كلاهما امتحان لضمير العالم.

رفض الاعتراف بإسرائيل دولةً «يهوديةً» خالصة، مؤكداً أن الشرعية لا تُبنى على الإبادة والتمييز، بل على المساواة.

لم يكن يخشى تسمية الأشياء بأسمائها، فوصف ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية تُنفذ بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين»، وكشف أن صناديق تقاعد المدينة تستثمر مليارات الدولارات في سندات إسرائيل وشركات السلاح، معتبراً ذلك تمويلاً للقتل على حساب فقراء نيويورك.

بهذه الصراحة الصادمة قلب موازين الخطاب السياسي في عاصمة المال والإعلام، ليعلن أن مناهضة الاحتلال ليست شأناً خارجياً بل مسألة داخلية تمس روح العدالة الأمريكية نفسها.
إن فوز زهران في قلب نيويورك يحمل كثيراً من الرمزية لمن كان له وعي، فقد أحدث تصدعاً في قداسة الولاء لإسرائيل داخل الوعي الأمريكي، وفيه إشارة إلى أن ميزان الأخلاق بدأ يميل حيث يجب أن يميل.

يمثل زهران ممداني جيلاً جديداً من الساسة الذين يرون في المنصب وسيلة لا غاية، وفي السياسة ضميراً لا مهنة. إنه ابن مدينة تتغذى على التنوع، ويبدو أنه أدرك أن القيادة ليست في الصوت العالي لكنها في القدرة على الإصغاء للناس.

إن فوزه يذكر بأن التحول يبدأ حين يؤمن المواطن بأن صوته يساوي شيئاً، وأن المدينة، مهما بلغت صلابتها، لا يمكن أن تظل محصنة أمام الحقيقة إلى الأبد.

لقد جاء هذا الفوز ليقول للعالم إن العدالة لا جنسية لها، وإن الضمير يمكن أن ينتصر حتى في قلب العاصمة غير الرسمية للوبي الصهيوني.

إنه حدث يتجاوز السياسة إلى ما يشبه الإلهام الإنساني، وكأن نيويورك — المدينة التي لا تنام — قد استيقظت أخيراً على حقيقة جديدة: أن فلسطين لم تعد تهمة الخيانة، بل هي مقياس العدالة.

محمد ولد إمام

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

قيمة الوقت.. حين ندرك أننا نعيش على رصيد ينفد!

 
قيمة الوقت.
 قيمة الوقت.

الزمن ليس ما يقوله التقويم، بل ما يتسرب من بين أيدينا ونحن نظن أننا نملكه.

لو تأملت يومك حق التأمل، لاكتشفت أنك لم تعش منه إلا لحظات قليلة.

النوم يأخذ ثلثه، والانتظار يأكل ثلثه الآخر، والباقي تلتهمه الشاشات والمجاملات والمهام الصغيرة التي لا تترك فينا أثرا.

الحياة الحقيقية، إذن، ليست في عدد الساعات، بل في الوعي الذي نحياه في تلك الساعات.

كل لحظة نعيشها هي استثمار في أنفسنا، إما يضاعف قيمتنا أو يستهلكها.

هناك أعمال تتراكم، وأخرى تتبدد.

القراءة، التأمل، العمل الصادق، هذه كلها تثمر مع الأيام.

أما الفراغ أو والانشغال الدائم بالتوافه دون معنى، فهو كما قال أحد الحكماء: «كمن يحرث البحر».

وقد أقسم الله تعالى بالزمن فقال: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر»، لأن الخسارة الكبرى ليست في المال ولا في الصحة، بل في الوقت الذي يضيع دون أن نصنع به حياة.

قال الحسن البصري: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك».

وكل يوم يذهب دون أن يثمر خيراً أو معرفة أو أثرا، إنما هو قطعة من وجودنا تتساقط بصمت في بئر النسيان.

 

في هذا العصر المتسارع، أصبحنا نحسن إدارة أجهزتنا أكثر من إدارة أعمارنا.

نضبط المنبهات والمواعيد، نتابع المهام والرسائل، ونغفل عن حقيقة بسيطة: أن الساعة التي تمضي لا تعود، وأن أخطر أنواع الغياب هو الغياب عن لحظتك.

قال أبو الطيب المتنبي: "وذي الدار أخون من مومس
وأخدع من كفة الحابل

تفانى الرجال على حبها

وما يحصلون على طائل"

 فالزمن لا ينتظر من أضاعه، ولا يرحم من سوف به.

 

نحسب الربح والخسارة في المال، وننسى أن رأس مالنا الحقيقي هو الدقائق التي نحياها بصدق.

قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

فما أكثر من يبدد وقته في طلب ما لا يزيده إلا فراغاً أكبر مما بدأ به.

 

كان المفكر الأمريكي إرنست بيكر يعيش تجربة مختلفة مع الزمن.

في سنواته الأخيرة، أصيب بمرض عضال، وبينما كان الجسد يضعف، اشتعلت فيه الرغبة في الفهم.

كتب وهو على فراش المرض كتابه الشهير «إنكار الموت»، ليقول فيه إن الإنسان لا يهرب من الفناء بالإنكار، بل بالمعنى.

رأى بيكر أن الإنسان، في وعيه أو لا وعيه، يسعى إلى ما سماه «مشروعات الخلود» — تلك الأعمال التي تجعل للحياة ظلا بعد الرحيل: كتاب يخلد، علم ينتفع به، ابن صالح، فكرة تورث، أو حب يترك أثره في الناس.

وكان يقول: «كل شيء في حياتنا تتحدد قيمته بمدى قدرته على البقاء بعد موتنا».

 

تأملْ هذا المعنى، وستدرك أنه ليس بعيدا عن جوهر الإسلام نفسه، إذ يقول الله تعالى:

«إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم».

إنها الآثار إذن... ما تبقى منك حين لا يبقى منك شيء.

 

يقول الفيلسوف الآخر: «المشكلة ليست في أن وقتك قليل، بل في أنك لا تعرف كيف تنفقه»، لم يكتشف جديداً بقدر ما أعاد إلينا ما نسي من الحكمة القديمة:

أن الوقت ليس وعاءً نملؤه، بل هو حياة تزهر كلما سقيت بالنية والمعنى.

قال ابن القيم رحمه الله: «الوقت هو حياتك، وهو ظلك الراحل عنك».

وكل لحظة تمر هي خطوة نحو الغياب، فإما أن تترك وراءك صدى، أو فراغا.

في نهاية المطاف، لا أحد ينجي نفسه من الموت، لكن بعض الناس ينجون من النسيان.

يموت المرء مرتين: حين يُوارى في التراب، وحين يُمحى أثره من الذاكرة.

 

حين أنظر إلى الوراء، أرى أن أجمل أوقاتي لم تكن تلك التي ضحكت فيها كثيرا، بل تلك التي فهمت فيها شيئا عن نفسي أو عن العالم.

تلك اللحظات التي فهمت فيها معنى غير نظرتي، أو قرأت فيها كتاباً أنار بصيرتي.

تلك اللحظات كانت زمناً خالصا للروح، لا يقاس بالساعات بل بالأثر.

 

يقولون: «الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك».

لكن السيف ليس قاتلا بالضرورة، فقد يكون نحاتا يصوغك مع الأيام.

وكل ما عليك أن تفعل هو أن تمسكه بوعي، وأن تعرف فيم تستهلك عمرك.

 

الحياة لا تقاس بطولها، بل بكثافتها.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الوقت، بل إلى مزيد من المعنى فيما نفعل بالوقت الذي بين أيدينا.

فالذين عرفوا قيمة الزمن لم يعيشوا أعماراً أطول، لكنهم عاشوها بشكل أعرض، كأنهم استخرجوا من كل لحظة لبها الصافي وتركوا القشرة للآخرين.

 

فيا أصدقاء، لنجعل من وقتنا وقفا لمعنانا، ومن أعمارنا مشروعات خلود.

ولنتذكر أننا لن نحاسب على كم عشنا من الزمن بل على كيف عشنا ذلك الزمن.

فمن أحسن استثمار وقته فقد كتب فصولا من الخلود في هامش الفناء.

محمد ولد إمام 

اختراق

الاثنين، 27 أكتوبر 2025

ذكريات من معارض الكتب!

 

خلال حفل توقيع "كشكول الحياة" بعرض الدوحة للكتاب 2020



لم تكن معارض الكتاب بالنسبة إلي مجرد أسواق لبيع الورق، لكنها كانت عوالم صغيرة تفيض بالحلم والدهشة واللقاءات التي لا تنسى، أشبه بمواسم صيد الغزلان، حيث تنبت الكتب على الرفوف كما تنبت الأزهار في الحدائق، ويصبح الهواء أثقل بالمعرفة وأخف بالفرح.

 

أول المعارض التي علقت في ذاكرتي كانت معارض القاهرة الدولية أيام دراستي بالقاهرة. كانت تلك السنوات محطات مهمة وشائقة من العمر، حملت منها رائحة الورق وأصوات الباعة وضحكات الأصدقاء، ورغبة عارمة في أن أمتلك الدنيا كلها بين دفتين.

 

كنت أتجول بين الأجنحة كما يتجول طفل في متجر حلوى، أضع ميزانيتي الصغيرة في جيبي، وأحاول أن أشتري بها ما لا يشترى. كانت المنحة تتأخر، والأسعار ترتفع، ورفوف الكتب تغويني كأنها كنوز من زمن غابر.
أتذكر أول نسخة من ديوان أبي الطيب، ومن حديث الأربعاء لطه حسين، ومن القاموس العملاق Longman Language Activator.

أتذكر تلك اللحظات كأنها عيد صغير، فقد كنت أراها بوابة إلى عالم جديد ومثير، أقلب صفحاتها كمن يتعرف على القارة الأولى في حياته.

وأتذكر كيف أغرمت بدواوين نزار قباني، وخصوصاً الأعمال السياسية، تلك التي كانت تتنفس بمرارة زمنها وتمرد شاعرها. كانت قصائده تربكني وتحرضني وتشعل شيئاً في داخلي لم أكن أعرف له اسماً بعد.

ومن أجنحة دار الهلال خرجت محملاً بترجمات لأسماء كنت أتهجاها ببطء: دوستويفسكي، تولستوي، نوبوكوف... كنت أفتح كتبهم كما يفتح باب على قارة بعيدة، وأغلقها وقد تغير شيء في نظرتي إلى الإنسان والعالم والمصير.

 

ثم هناك مرتعي ومجر عوالي، أي سور الأزبكية حيث الكتب المستعملة الرحيمة بجيوبنا نحن الطلبة، وفيها يجد الباحث مبتغاه وربما عدت بكتاب عليه إهداء أو عبارات حب ولعل شخصا باع كتبه لدواعٍ قاهرة كما عدت الضرورة الأديب الفالي إلى بيع كتاب الجمهرة فكتب أبياته الشهيرة:

أنست بها عشرين حولا وبعتها
وقد طال وجدي بعدها وحنيني   

 وما كان ظني أنني سأبيعها

ولو خلدتني في السجون ديوني   

 ولكن لعجز وافتقار وصبية

صغار عليهم تستهل شؤوني    

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك

كرائم من رب بهن ضنين..

ويقال إن تلك النسخة وقعت في يد الشريف المرتضى فأعادها إليه مع ثمنها.
وفي سور الأزبكية ربما صادف المرء أشياء من هذا النوع.

وعند شراء الكتب المستعملة أشعر دائماً أن بين دفّات تلك الكتب أنين من مروا قبلي، وبصماتهم الخفية على الورق.


معرض الدوحة الدولي للكتاب 2020

فكنت أعود من المعرض مثقلاً بالكتب وخفيفاً من الهم، كأنني اشتريت خلاصاً مؤقتاً من ثقل العالم. أحياناً كنت أشتري الكتاب نفسه مرتين، وأقول في نفسي: “لا بأس، ستكون واحدة للقراءة، وأخرى للهدايا.”

 

مع مرور السنوات صرت أضع خطة لكل معرض أزوره: يوم أول للاستطلاع، ويوم ثان للاقتناء، ويوم أخير للمساومات والصفقات الرخيصة، حين تحاول دور النشر التخلص من أثقالها قبل الرحيل. كانت تلك اللحظات في آخر يوم من المعرض تشبه وداع صديق قديم لا تعرف متى تلقاه من جديد.

 

زرت بعد تلك السنوات معارض شتى وأقمت حفلات توقيع لبعض دواويني ولكتاب كشكول الحياة، ولكل معرض نكهته وسحره. غير أن القاهرة كانت شيئاً آخر، كانت كتاباً مفتوحاً على الذاكرة، يختلط فيه عبق التاريخ بصوت الباعة ودفء الوجوه. هناك تعلمت أن الكتاب ليس سلعة تشترى، بل حياة تعاش.

فالكتب يا أصدقاء، ليست أوراقاً تقلب، لكنها مرايا تريك نفسك التي ضاعت منك، وتعيد إليك دهشة الأيام التي كانت تلمع مثل الحبر الطري على الورق.

محمد ولد إمام.

الخميس، 2 أكتوبر 2025

عن فضيلة الشيخ ولد الددو

 

الصورة أثناء تكريم الجالية الموريتانية في قطر لمحمد ولد إمام في ديسمبر 2024.
الشيخ الددو يسلم محمد ولد إمام درع تكريم الحالية الموريتانية في قطر

عن العلامة الشيخ محمد الحسن الددو،
كان أول لقاء لي معه نهاية سبتمبر 2016، بفندق ريلز كارلتون الدوحة، رفقة الأستاذ عبد الرحمن الكرار، وقد جلسنا قليلا واستذكرنا وتحدثنا عن بعض المسائل التي للشيخ فيها فتاوى حديثة مؤصلة وأذكر أنه سألني عن كل الأهل تقريباً فذكرني بالشيخ عدود وسعة علمه بالأنساب وسألني عن بعض المخطوطات التي نُشرت في المكتبة الألمانية آنئذ.
ثم أنشدتُه الأبيات التالية:

حَيِّ الإمام المُسْتَقيمَ الأبَرْ
مُحَمَّدَ الحَسَنَ فينا الأثَرْ
نَــــماهُ للْمَجْدِ جُـــدودٌ له
فالمجْدُ فيه كائنٌ واسْتَقَرْ
من آلِ عَدودٍ وآلِ الدَّدَوْ
وآلِ يَعْقوبَ الدَّراري الدُّرَرْ
أئــــمـــةٌ غُــــرٌّ فلا غــروَ إنْ
خَـــلَــــفَهمْ منه إمـــامٌ أغرْ
يدعو إلى الحقِّ يُنادي به
"ودامَ هكذا النِّدا واسْتَمَرْ"
شُهودُه في العلمِ إنْ رُمْتَهمْ
ألْفِيةُ ابْنِ مالـِ والمُخْـتَصَرْ
للعِلْمِ يدْعو الجَفَلى والنَّدا
فـــلا تــراهُ آدبـــاً يَـنْـــتَـــقِــرْ
فطالبُ العُلومِ يَحْظى بها
وطالبُ الوَطَرِ يَقْـضي الوَطَرْ
وبُغْيَتي مـــنكــمْ دُعـــاءٌ لـــنا
وحِفْظُ عَهْدِ السلفِ المُشْتَهَرْ
فذلك العهْدُ هنا ما انْمَحى
وذلكَ الودُّ هــنا ما انْــــدَثَرْ.

محمد ولد إمام_ 24 سبتمبر 2016- الدوحة - قطر (الصورة من الشيخ خلال تسليمي  درع التكريم من الجالية الموريتانية بالدوحة 2024)

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

تيك توك.. من أين تأتي أموال الداعمين الفلكية؟




هل تساءلتم يوماً عن الأموال التي تنهمر على التيكتوكرز في بثوثهم المباشرة؟ عن تلك “الهدايا الافتراضية” التي تتطاير كالألعاب النارية على الشاشة، وتتحول بعد دقائق إلى أرصدة مالية في حسابات صانعي المحتوى؟ على السطح يبدو الأمر مجرد دعم من جمهور متحمس، لكن خلف الكواليس تدور أرقام هائلة، ونسب اقتطاع معقدة، وشبهات تمويل غير مشروع تصل أحياناً إلى القضاء. الآلية بسيطة في الظاهر: مستخدم يشتري عملة المنصة “Coins” ببطاقته الائتمانية أو عبر متجر التطبيقات، ثم يهدي بها صانع محتوى فيتحول الدعم إلى “Diamonds” يمكن سحبها نقداً. لكنّ تقارير صحفية وتحقيقات رسمية تشير إلى أن هذا النظام نفسه قد يصبح منفذاً لغسل الأموال وتمويل أنشطة غير قانونية إذا لم يخضع لرقابة دقيقة.

في يناير 2025 رفعت ولاية يوتاه الأميركية دعوى قضائية ضد تيك توك متهمة المنصة بالتغاضي عن استغلال ميزة الهدايا في البث المباشر لأغراض غسل الأموال، وتمويل أنشطة مشبوهة، بل وتسهيل استغلال القاصرين. وثائق المحكمة التي كُشف عنها لاحقاً تشير إلى مشروع داخلي سري لدى الشركة باسم “Project Jupiter” خُصص للتحقيق في هذه المزاعم. وفي تركيا فتحت هيئة مكافحة الجرائم المالية MASAK تحقيقاً موسعاً بعد أن كشفت عن تحويل ما يقرب من 82 مليون دولار منذ عام 2021 إلى مستخدمي تيك توك عبر التبرعات والهدايا الرقمية، في عمليات اتُّهم بعضها بكونه واجهة لغسل الأموال أو تحايلاً ضريبياً.

الأمثلة الفردية لا تقل درامية. ففي ولاية ألاباما الأميركية اتُّهمت موظفة كنيسة باختلاس نحو 300 ألف دولار من أموال الكنيسة وإنفاق جزء منها على شراء Coins لدعم صانعي محتوى على تيك توك، في واقعة تم توجيه تهم احتيال إلكتروني فيها. هذه الحادثة ليست استثناءً، بل نموذج على هشاشة الرقابة في هذا الاقتصاد الافتراضي الجديد.

آلية المنصة ذاتها تفتح المجال للاستغلال. فالعملات الافتراضية والهدايا الصغيرة يصعب تتبعها، وتتيح للمستخدمين تفتيت مبالغ كبيرة إلى تحويلات تبدو غير لافتة. كذلك تسمح الحسابات الوهمية أو الوسطاء “الوكالات” التي تدير مذيعين كثر بتمرير أموال بين أطراف متعددة قبل تحويلها إلى نقد حقيقي. ومع أن تيك توك يفرض على المبدعين في دول عدة التحقق من الهوية قبل السحب، إلا أن تفاوت القوانين وضعف التعاون عبر الحدود يجعل من الصعب ضبط كل العمليات.

في الوقت نفسه هناك جمهور حقيقي يموّل هذه الظاهرة، فبعض “الحيتان” ينفقون آلاف الدولارات بحثاً عن الاعتراف أو الترفيه أو المشاركة في معارك البث المباشر. لكن تقارير صحفية عديدة حذرت من أن هذه البيئة ذاتها قد تشجع على سلوكيات إنفاق غير رشيد، وأن تضخيم أرقام الدعم يغري آخرين بالمشاركة دون وعي بأن المنصة تقتطع ما بين 50 و70 في المئة من كل هدية قبل أن تصل إلى صانع المحتوى.

ما يحدث على تيك توك اليوم يشبه إلى حد بعيد ما شهدناه سابقاً في ألعاب الهواتف أو مواقع البث المباشر الأخرى، لكنه في حالة الهدايا الافتراضية أكثر خطورة بسبب حجم السوق العالمي وسهولة الاستخدام وانتشار الوكلاء غير الخاضعين للرقابة. ومع أن الشركة أعلنت في بيانات متفرقة أنها تحارب غسل الأموال وتراجع أنظمة الدفع، إلا أن التحقيقات المستقلة تكشف عن فجوة واسعة بين التصريحات والممارسة، وعن اقتصاد ظلّ يزدهر خلف واجهة الدعم الطوعي للمحتوى.

المشهد إذن ليس بريئاً بالكامل. ملايين الدولارات قد تكون دعماً حقيقياً من متابعين متحمسين، لكنها أيضاً قد تكون أداة مثالية لتمرير أموال غير مشروعة عبر طبقات من العملات الافتراضية والتحويلات العابرة للحدود. ومع تزايد نفوذ هذه المنصات، يصبح من الضروري أن يطالب الجمهور والسلطات بقدر أكبر من الشفافية والرقابة على هذا النوع من التمويل الرقمي، حتى لا تتحول الهدايا الافتراضية إلى غطاء لغسل الأموال أو إلى سوق سوداء تعمل تحت ستار المحتوى الترفيهي.
محمد ولد إمام، 
https://mohamedimame.blogspot.com/2025/09/blog-post_23.html

المصادر:

الكتاب وطن متنقّل: لماذا نحتاج وطناً يُحمل في الحقيبة؟

الكتاب وطن متنقّل
الكتاب وطن يُحمل في الحقيبة
الكتاب وطنٌ حين تضيق بك الأوطان. وطنٌ يُطوى في حقيبة، ويُفتح على اتساع القلب.

هذه التدوينة مرافِقةٌ لمقالي المنشور اليوم في الجزيرة نت عن فكرة الكتاب وطن متنقّل: كيف تخفّف القراءة وطأة الغربة، وتمنحنا جغرافيا من المعنى أينما حللنا.

لماذا كتبت هذا المقال؟

الواحد منّا قد يسافر ببدنه، وتبقى روحه تبحث عن "بيت". الكتاب يمنحك هذا البيت: لغة تألفها، وأصوات تحرس وحدتك، وذكريات تتّسع في هوامش الصفحات.

ثلاثة وجوه لوطنٍ من ورق

  • وطنٌ يحفظ الاسم: حين تتكسّر الألقاب على الحدود، يبقى اسمك في سطر مقتبس.
  • وطنٌ يخفّف الغربة: القراءة ليست هروبًا، بل عودة مؤقتة إلى نفسك.
  • وطنٌ يُشارك: الكتاب الجيد لا يُقرأ مرّة؛ بل يُسكن.

🔗 اقرأ المقال الأصلي على الجزيرة نت هنا

شاركني سطرك الأثير

ما الكتاب الذي كان وطنك المتنقّل؟ اكتب العنوان في التعليقات أو أرسل صورة لرفّك الصغير في السفر. سأنتقي مشاركاتٍ وأنشرها في تدوينة متابعة.

انضمّ للنشرة البريدية

تلخيصات كتب، خواطر قصيرة، ونسخ قابلة للطباعة من قصائد جديدة.

ملاحظة محبّة: إن أعجبك المقال، انقله لمن تحب. فالوطن حين يُشارك يكبر.