Tuesday, January 31, 2017

عن اللغة العربية


أقف حائراً أمام هذا العنوان.. أنا الذي أُشْرِبْتُ حبَّ اللغة العربية منذ الطفولة الأولى.. والدهشة الأولى .. والعشق الأول.. فحلتْ مَكانا ًلم يكنْ حُلّ من قبلُ..
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلباً خالياً فتمكنا

كانت البدايةُ مع تحفيظي – على غرار لِداتي – دواوينَ الشعراءِ الستة.. وأغلب ديوانِ الحماسة.. مع الإعرابِ والشرحِ ولمّا أبلغ الخامسة عشرة..
 ورغم أنّي لم أكن أستوعب أكثر المعاني وبعضُها يتم تجاوزُه بحذر (مغامرات امرئ القيس الغرامية مثلاً).. إلاّ أن موسيقى الشعرِ وتلهفي على الاكتشاف كانا كفيليْن بتسهيل المهمة..

كانَ ذلك هو اللقاء الأول والشرارة الأولى لحب دامَ إلى الآن..
 بعدها بدأتُ ألتهمُ كتبَ الأدبِ التهاماً وأعبُّها عَبّاً.. فنهلتُ وعللْتُ من موسوعاتِه بمتعةٍ منقطعةِ النظير.. وشغفٍ عديمِ المثيل والشرْوى.. متخذاً هذه الكتبَ ندامى أتعاطى معها المتعة واللذة الوجدانية ..

كان ذلك ولَهاً مغرياً باكتشاف كلِّ هذا الجلال والبهاء.. فكنتُ أطربُ طربَ العاشق الولهان للقاءٍ مسروقٍ من الظروف.. فتعتريني هِزَّةٌ كما انتفض العصفور.. فهمتُ مع الهائمين في وديان نجد وشعابِ الحجاز.. بين الدَّخول فحوملَ وبين ذي حُساً والفوارع..

مرّت الأيام وتوالت السنون وأنا أبحر في تلك اللجج الآسرة الأخّاذة، وأرتشف الزلال من تلك الينابيع الجياشة الفياضة سحراً وجمالاً، فألقيتُ القياد لنفسي التوّاقة لاستكناه تلك اللغة الزاهية وقد حباني الله بخالٍ من أعلم أهل زمانه باللغة وأسرارها وبالشعر وضروبه..
وكانَ هو نفسه شاعراً مجيداً وبحراً ترمي أواذيُّه بكل جميلٍ ونفيس .. رحمه الله.. ومنهُ تشرّبتُ حبَّ الشعرِ فقد كانَ لا يُنشدُ إلاّ الجيد من الأشعار الجزلة فكانَ أحسن معلم لي ومربٍ جزاه الله أحسن الجزاء..

بعدَ تلك الفترة جاءتْ صروفٌ صرفنَ إلى تعلم لغاتٍ أخرى فما زِدْنني إلا تعلُّقاً بها واستحساناً لها.. لكنني انفتحتُ على طرقِ أخرى للتعبيرِ وفنونٍ من الأدب وضروبٍ من التعبيرات جديدة .. فقرأتُ أساليبَ مستحدَثةً.. فدهشتُ من قدرتها على التجدد والنمو تبعاً لما تمليه الظروف.. إن اللغة كائنٌ حي.. متجدد ذاتياً.. والمحتوى الفكريّ ما زال قويّاً جميلاً، والنتاج الإبداعيّ ما زال ثريّاً، لكن تشوّهه خدوش الركاكة اللغويّة.. وهذا أمرٌ طبيعيّ.. ولا أراهُ مقلقاً فالتجددُّ يضمنُ الاستمرار.. ولكن علينا الابتعادُ عن الدوائر المفرغة ووإعادة تكرار الذات في الكتابة في حدود قوالبَ لغويّةٍ هزيلةٍ هي نتاج قصر الثقافة على المنشور المحليّ أو المعاصر فقط، بل علينا توسيعُ تجربتنا الاطّلاعيّة عبر الزمان والمكان، فبذلك تتّسع دوائرنا الفكريّة واللغويّة، ويرتقي محتوى وأسلوب ما نكتب ليتمَّ الانتقال السلس بين عهود "الحوليّات" وعصر "التغريدة" والتدوينة المختصرة.. فسدّدوا وقاربوا كما يُقال.. ولنفكر قبلَ أن نكتب..

كلَّ عامٍ ولغتُنا بخير..
أوقاتا ًطيبة أحبَّائي أصدقاء الحرف.

No comments:

Post a Comment

Featured Post

سبعٌ عجاف

ابْيَـضَّـت العينُ من حزنٍ على وطنٍ يُـطـارِحُ الحزنَ مــأســـاةً بِمـــأســاةِ سـبـعٌ عِـجـافٌ ولا عامٌ نـغــــاثُ به فأيـنَ يوسـفُ؟ أين...