الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

ماذا يعني فوز زهران ممداني لنا مسلمين وعربا؟

 

Zohran Mamdani


في مساء غير ملامح السياسة في نيويورك، خرج زهران ممداني من حدود التوقع إلى فضاء الإمكان، لا بوصفه سياسياً جديداً فحسب، بل كرمز لتحول عميق في الوعي الجمعي لمدينة كانت تُعرف بصلابة منظومتها ونفوذ لوبياتها.

فوزه هذا لم يكن مجرداً من الدلالات لكنه كان لحظة تنطق بأن التنوع يمكن أن يتحول من شعار إلى واقع ملموس، وأن المدينة التي كانت تُدار من علٍ بدأت تُصغي أخيراً إلى نبض شوارعها.

في لحظة تاريخية غير مسبوقة فاز زهران ممداني، ذو الأربعة والثلاثين ربيعاً، مرشح الحزب الديمقراطي بمنصب عمدة مدينة نيويورك، مسجلاً سابقة أخرى كأصغر من يتولى هذا المنصب منذ أكثر من قرن، وأول عمدة مسلم لأكبر مدينة أمريكية.

وُلد ممداني في أوغندا لأب أكاديمي من أصول هندية وأم من جنوب آسيا، قبل أن ينتقل صغيراً إلى نيويورك، المدينة التي ستصبح لاحقاً ميدان تجربته السياسية والإنسانية. في حملته الانتخابية لم يسعَ إلى التجمل بالعبارات التقليدية ولا إلى مسايرة الخطاب السائد، بل قدم نفسه كما هو: مسلماً، مهاجراً، تقدمياً، ومؤمناً بأن العدالة الاجتماعية لا تتجزأ.

ومن بين أقواله التي وجدت صدى واسعاً قوله: «أنا أترشح لعمدة نيويورك، لا سفيراً لإسرائيل». كانت تلك الجملة كافية لتفتح عليه أبواب الهجوم من دوائر النفوذ، لكنها في الوقت نفسه جعلته رمزاً لشجاعة الموقف، وصوتاً جديداً داخل المدينة التي تُعد المعقل الأكبر للوبي الصهيوني خارج إسرائيل.

يرى ممداني أن السياسة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن العدالة في غزة مثلها مثل العدالة في برونكس أو كوينز، كلاهما امتحان لضمير العالم.

رفض الاعتراف بإسرائيل دولةً «يهوديةً» خالصة، مؤكداً أن الشرعية لا تُبنى على الإبادة والتمييز، بل على المساواة.

لم يكن يخشى تسمية الأشياء بأسمائها، فوصف ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية تُنفذ بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين»، وكشف أن صناديق تقاعد المدينة تستثمر مليارات الدولارات في سندات إسرائيل وشركات السلاح، معتبراً ذلك تمويلاً للقتل على حساب فقراء نيويورك.

بهذه الصراحة الصادمة قلب موازين الخطاب السياسي في عاصمة المال والإعلام، ليعلن أن مناهضة الاحتلال ليست شأناً خارجياً بل مسألة داخلية تمس روح العدالة الأمريكية نفسها.
إن فوز زهران في قلب نيويورك يحمل كثيراً من الرمزية لمن كان له وعي، فقد أحدث تصدعاً في قداسة الولاء لإسرائيل داخل الوعي الأمريكي، وفيه إشارة إلى أن ميزان الأخلاق بدأ يميل حيث يجب أن يميل.

يمثل زهران ممداني جيلاً جديداً من الساسة الذين يرون في المنصب وسيلة لا غاية، وفي السياسة ضميراً لا مهنة. إنه ابن مدينة تتغذى على التنوع، ويبدو أنه أدرك أن القيادة ليست في الصوت العالي لكنها في القدرة على الإصغاء للناس.

إن فوزه يذكر بأن التحول يبدأ حين يؤمن المواطن بأن صوته يساوي شيئاً، وأن المدينة، مهما بلغت صلابتها، لا يمكن أن تظل محصنة أمام الحقيقة إلى الأبد.

لقد جاء هذا الفوز ليقول للعالم إن العدالة لا جنسية لها، وإن الضمير يمكن أن ينتصر حتى في قلب العاصمة غير الرسمية للوبي الصهيوني.

إنه حدث يتجاوز السياسة إلى ما يشبه الإلهام الإنساني، وكأن نيويورك — المدينة التي لا تنام — قد استيقظت أخيراً على حقيقة جديدة: أن فلسطين لم تعد تهمة الخيانة، بل هي مقياس العدالة.

محمد ولد إمام

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

قيمة الوقت.. حين ندرك أننا نعيش على رصيد ينفد!

 
قيمة الوقت.
 قيمة الوقت.

الزمن ليس ما يقوله التقويم، بل ما يتسرب من بين أيدينا ونحن نظن أننا نملكه.

لو تأملت يومك حق التأمل، لاكتشفت أنك لم تعش منه إلا لحظات قليلة.

النوم يأخذ ثلثه، والانتظار يأكل ثلثه الآخر، والباقي تلتهمه الشاشات والمجاملات والمهام الصغيرة التي لا تترك فينا أثرا.

الحياة الحقيقية، إذن، ليست في عدد الساعات، بل في الوعي الذي نحياه في تلك الساعات.

كل لحظة نعيشها هي استثمار في أنفسنا، إما يضاعف قيمتنا أو يستهلكها.

هناك أعمال تتراكم، وأخرى تتبدد.

القراءة، التأمل، العمل الصادق، هذه كلها تثمر مع الأيام.

أما الفراغ أو والانشغال الدائم بالتوافه دون معنى، فهو كما قال أحد الحكماء: «كمن يحرث البحر».

وقد أقسم الله تعالى بالزمن فقال: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر»، لأن الخسارة الكبرى ليست في المال ولا في الصحة، بل في الوقت الذي يضيع دون أن نصنع به حياة.

قال الحسن البصري: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك».

وكل يوم يذهب دون أن يثمر خيراً أو معرفة أو أثرا، إنما هو قطعة من وجودنا تتساقط بصمت في بئر النسيان.

 

في هذا العصر المتسارع، أصبحنا نحسن إدارة أجهزتنا أكثر من إدارة أعمارنا.

نضبط المنبهات والمواعيد، نتابع المهام والرسائل، ونغفل عن حقيقة بسيطة: أن الساعة التي تمضي لا تعود، وأن أخطر أنواع الغياب هو الغياب عن لحظتك.

قال أبو الطيب المتنبي: "وذي الدار أخون من مومس
وأخدع من كفة الحابل

تفانى الرجال على حبها

وما يحصلون على طائل"

 فالزمن لا ينتظر من أضاعه، ولا يرحم من سوف به.

 

نحسب الربح والخسارة في المال، وننسى أن رأس مالنا الحقيقي هو الدقائق التي نحياها بصدق.

قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

فما أكثر من يبدد وقته في طلب ما لا يزيده إلا فراغاً أكبر مما بدأ به.

 

كان المفكر الأمريكي إرنست بيكر يعيش تجربة مختلفة مع الزمن.

في سنواته الأخيرة، أصيب بمرض عضال، وبينما كان الجسد يضعف، اشتعلت فيه الرغبة في الفهم.

كتب وهو على فراش المرض كتابه الشهير «إنكار الموت»، ليقول فيه إن الإنسان لا يهرب من الفناء بالإنكار، بل بالمعنى.

رأى بيكر أن الإنسان، في وعيه أو لا وعيه، يسعى إلى ما سماه «مشروعات الخلود» — تلك الأعمال التي تجعل للحياة ظلا بعد الرحيل: كتاب يخلد، علم ينتفع به، ابن صالح، فكرة تورث، أو حب يترك أثره في الناس.

وكان يقول: «كل شيء في حياتنا تتحدد قيمته بمدى قدرته على البقاء بعد موتنا».

 

تأملْ هذا المعنى، وستدرك أنه ليس بعيدا عن جوهر الإسلام نفسه، إذ يقول الله تعالى:

«إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم».

إنها الآثار إذن... ما تبقى منك حين لا يبقى منك شيء.

 

يقول الفيلسوف الآخر: «المشكلة ليست في أن وقتك قليل، بل في أنك لا تعرف كيف تنفقه»، لم يكتشف جديداً بقدر ما أعاد إلينا ما نسي من الحكمة القديمة:

أن الوقت ليس وعاءً نملؤه، بل هو حياة تزهر كلما سقيت بالنية والمعنى.

قال ابن القيم رحمه الله: «الوقت هو حياتك، وهو ظلك الراحل عنك».

وكل لحظة تمر هي خطوة نحو الغياب، فإما أن تترك وراءك صدى، أو فراغا.

في نهاية المطاف، لا أحد ينجي نفسه من الموت، لكن بعض الناس ينجون من النسيان.

يموت المرء مرتين: حين يُوارى في التراب، وحين يُمحى أثره من الذاكرة.

 

حين أنظر إلى الوراء، أرى أن أجمل أوقاتي لم تكن تلك التي ضحكت فيها كثيرا، بل تلك التي فهمت فيها شيئا عن نفسي أو عن العالم.

تلك اللحظات التي فهمت فيها معنى غير نظرتي، أو قرأت فيها كتاباً أنار بصيرتي.

تلك اللحظات كانت زمناً خالصا للروح، لا يقاس بالساعات بل بالأثر.

 

يقولون: «الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك».

لكن السيف ليس قاتلا بالضرورة، فقد يكون نحاتا يصوغك مع الأيام.

وكل ما عليك أن تفعل هو أن تمسكه بوعي، وأن تعرف فيم تستهلك عمرك.

 

الحياة لا تقاس بطولها، بل بكثافتها.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الوقت، بل إلى مزيد من المعنى فيما نفعل بالوقت الذي بين أيدينا.

فالذين عرفوا قيمة الزمن لم يعيشوا أعماراً أطول، لكنهم عاشوها بشكل أعرض، كأنهم استخرجوا من كل لحظة لبها الصافي وتركوا القشرة للآخرين.

 

فيا أصدقاء، لنجعل من وقتنا وقفا لمعنانا، ومن أعمارنا مشروعات خلود.

ولنتذكر أننا لن نحاسب على كم عشنا من الزمن بل على كيف عشنا ذلك الزمن.

فمن أحسن استثمار وقته فقد كتب فصولا من الخلود في هامش الفناء.

محمد ولد إمام 

اختراق