Skip to main content

مع القشيرية 2 (إعادة)

 


كشكول الحياة (3) .. مع القشيري (2) / محمد ولد إمام


... تابع للمقال الأول...رغم أن التصوف غالبا ما يكون ملازما للتدين، لكنه يحافظ على استقلالية تميزه عن رجل الدين والفيلسوف العقلي أيضا. مدار الصوفي هو الخَلق وراحتهم وحبهم، بخلاف مدار رجل الدين، الذي غالبا لا يحب غير من يدور في فلكه ويخضع لقراراته، إلا إذا خرج من حكم الطائفة محلِّقاً في فضاء العرفان أو متأثرا بفلسفة إنسانية يقوم بتأويل تدينه من خلالها.

المتصوف يتسامح مع الناس ويشدد على نفسه، وفي رواية صوفية لأبي علي الدقاق: (أن شابا أخرجوه من محلةٍ لفساده، فرأى القطب أمه تبكي، فقام واستشفع له عندهم لخاطرها. وطاف بعد أيام ووجدها تبكي. فسألها: هل أخرجوا ابنك لفساده من محلةٍ ما؟ قالت: لقد مات. فقال: وما حاله وقتها؟ قالت: قال لي لا تخبري الجيران فإنهم يشمتون بي ولا يحضرون جنازتي، وأعطاني خاتما كتب عليه "بسم الله" لأدفنه معه. فنفذت الوصية. وعندما همت بالبكاء على القبر سمعت هاتفا منه يقول: اذهبي يا أمي فإني مع رب كريم).

ورأى محمد الثقفي في منامه رجلاً فيه من أحوال النساء -مخنّث- احتقره الناس، فكان يقول: (غفر الله لي باحتقار الناس إياي).

أما حمدون القصار فكان يقول: (إذا رأيت سكراناً فتمايل لكيلا يبغي الناس عليه - أي لكيلا يرون أنفسهم أفضل منه فيؤذونه بكلام أو فعل -). نستشف من الأمثلة السالفة سعة صدر الصوفي مقابل ضيقه في المفهوم التقليدي للمتدين، فنادراً ما نرى أحدهم لا يحتقر الاثنين.

يضاف في رصيدهم أيضا التسامح الديني، فالكتاب خالٍ من مفاهيم التكفير، بل على العكس، في رواية صوفية عن إبراهيم الخليل: (أنه لقي مجوسيا ولم يطعمه، فسمع ربه يقول له في المنام: إنّا أطعمناه على مجوسيته سبعين سنة وتركنا رزقه عليك يوما واحداً فلم تطعمه!).

يرى الصوفي أن احتقار الخلق من أعظم الشرور، خصوصا مساكينهم، لأنه يلهيك بِشَرِّهم عن شر نفسك. وفي سبيل المساكين قاطعوا الدولة وأغنياءها وجيرانهم، لأنهم من جملة الأغيار الذين بسببهم يتألم الخلق ويجوعون، فكانت امرأة تخيط على مشاعل بيوت السلطان فقال لها أحدهم: لا تخيطي على مشاعل بيوتهم.

وجاء خياط لعبدا لله بن المبارك يسأله أنه اشترى من أحدهم خيوطا وإبرة وخاط ثوبا للسلطان فهل يعتبر من أعوان الظلَمة؟ فقال: إنما أنت من جملة الظلَمة أما أعوان الظلمة فهم من يبيعونك الخيط والإبرة.

نستطيع أن نقول إن المفارقة بين رجل الدين والمتصوف أن الأول يكتسب وجاهته من كلامه وسلطته الروحية وربما من سلطته السياسية، أو بالاشتراك بينهما. أما المتصوف فلا سلطة له ولا جاه، راحته في صمته، وقناعته من زهده، قريب من الخلق في العلانية، بعيد عنهم في السر، يسعى لإطعامهم ويرفعهم من الدونية إلى السواء، كثير الترحال فكرا وجسما، لكن حديث سره غالب على حديث لسانه.

 

 


Comments

Popular posts from this blog

الشعر والصحافة

صفتان في بلادي تم تمييعهما حتى ارتبطتا بالطمع والفشل في الحياة للأسف، هما الصحافة والشعر! .. حتى أنني في كثير من الأحيان لا أُقدم نفسي على أنني صحفي أو شاعر حتى لا يُظنَّ بي شيء ممّا عُرف عن أصحابهما.. فعادةً أقدَّمُ على أنني مترجم..  وقد فوجئتُ أنني على اللائحة النهائية للصحفيين المسجلين لانتخاب النقيب الجديد.. إلا أنني وقد عافاني الله من "التلوث بلوبيات الصحافة وحروبهم على الفُتات" فلن أدخل ذلك   المعترك. وهنا أذكرُ أبياتاً قلتُها قديماً لمن لامني في قرض الشعر:

مختارات إمامية 1

# مختارات_إمامية  1 من رقيق الشعر اخترتُ لكم هذه السريعية ((الي ماهي متكايسة)) ولها قصة : يذكر أن أبا العتاهية وأبا نواس والحسن بن الضحاك اجتمعوا يوماً فقال أبو نواس لينشد كل واحد منكم قصيدة لنفسه في مراده من غير مدح ولا هجاء فانشد أبو العتاهية هذه القصيدة فسلّما له وامتنعا عن الإنشاد بعده وقالا أما مع سهولة هذه الألفاظ وملاحة هذا القصد وحسن هذه الإشارات فلا ننشد شيئا."وذاك هو الحزم". يا إخوتي إن الهوى قـــــاتلي***فيسروا الأكفان من عاجــل ولا تلوموا في اتباع الهــوى***فإنني ف ي شغــــــل شاغـــل عينـــــي على عتبـــة منهلــة***بدمعها المنسكب الســـائـــل يا من رأى قبلي قتيـــلا بكى***من شدة الوجد على القاتــل "قدْر من اتْمَتْميتْ" بسطت كفي نحوكم سائـــــلا***ماذا تــردون على السائـل؟ إن لم تنيلوه فقولــوا لـه*******قـــولا جميـــلا بدل النائــل أو كنتم العــــام على عســرةٍ**منـــه فمنــوه إلى قابــــــل! كأنهـــــا من حسنهـــــــا درة**أخرجها اليَمُّ إلى الساحــــل كأن في فيهــا وفي طرفهــــا**سواحــرا أقبلـــن من بابــل لــم يبق مني حبها م

مختارات إمامية 6

# مختارات_إمامية  6 نزولاً عند رغبة السادة الأدباء، الذي طلبو حلقةً عن "تمتميت" في لغن الحساني.. شخصياً يعجبني لبتيت الناقص في الغزل لاختصاره وجودته، رغم كثرة النصوص الجيدة في غيره، إلا أني سأقتصر على ما تذكرت من طريفه وبليغه محاولاً تحاشي المشهور منه: گلتیلی بغیلک***عنی ما نسمیلک وانگلل لمجیلک ***گلیلک فکتیلی ایاک نواسیلک*** ذاک الی گلتیلی (مكزوز حت) ___ ديرانك ما ينزاد ***عن سلك امن التعكاد وآن شاطني عاد ***عن جملت غيد الليْ ونعرف عنُ معتاد *** غير أملي ي انديْ نعرف عن لخلط زاد ***يتنشاو امن شوي..! (ضامنهالك) ____ گولیلی شماسیک *** ماتبغینی نسمیک گد منین انلاغیک*** ابشی ما تسمینی کیفت شی ما نعنیک *** ابشی واتواسینی مٍعافي امنین نجیک*** گولیلی یمّینی شماسینی نبغیک****وانت ما تبغینی؟! ____ یگدی لعطشْ فيَّ ** عت احریگه حيّه ونمشي في اتشطريَّ *** نسّتّلْ واسریگه ونوط فكويريه*** صبتها تخریگه وتگدی في هي ** لحریگه بزریگه عت اعميّد بيَّ *** لحریگه لحریگه ____ ﻣُﺤَﻠّﻒْ ﻑ اللجنَه**ﻋﻦ ﺣﺪ ﺍﺟﻠﺠﻦَ ﻭ ﻣﺤﻠﻒ ﻣﺎ ﻧﺠﻦَ=ﻣﻦ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺍﺑْﻨﻴﺖِ ﻭ ﻋﺎﺯﻡ ﻋﻦي ﻧﻬﻦَ=ﻣﺎ ﻧﻤﺮﯓ ﺗﻴﻜﻴﺖِ ﻭ ﻳﺎﻣﺲ ﺗﻞْ ﺍﻑ ﻣﻠﻪ=ﻭﺣﺪه فات