Skip to main content

الإعلام الإنساني (إعادة)

 






من أهم القيم الخبرية (News Values) هي قيمة البعد الإنساني (Human Interests) حسب رأيي، لأن لها تأثيراً مباشراً وكبيراً على حياة الناس، ومن أهم المناحي التي يشتغل بها الإعلام هو هذا الجانب الإنساني المضيء بعيدا عن أخبار الأحداث والفظائع التي هي عادة مائدة الإعلام، وبعيدا أيضا عن الإسفاف في الوظيفة الترفيهية للإعلام.


وقد حظيتُ بشرف، ومتعة، المشاركة في إنتاج قصص ساهمت في تغيير حياة كثير من الأسر والأشخاص، خصوصاً الحالات الإنسانية والمرضية التي تناولناها فأبرزناها للعالم وكنا سبباً في إيجاد متبرعين لها من حول العالم، وكلن ذلك في سلسلة (قصة إنسان) التي أنتجها قسم الميدانيات (VJs) بقناة الجزيرة الرقمية (الجزيرة بلس)، أتذكر كل القصص وأصحابها من ذوي الإعاقات والأمراض والظروف الإنسانية الصعبة، فقد كنا نتابع الأشخاص ونحرص على إيصال صوتهم، وفي أغلب الحالات يجدون من يتبرع لهم بما يغير حالاتهم، ومن أسعد الأوقات أن نقوم بقصة متابعة (follow-ups) عن أحد الأشخاص بعد أن لقي الدعم وتم علاجه أو إيجاد حل لقضيته، فنراه سعيداً فرحاً بعد حالته الأولى، خاصة إذا كان المعنيُّ طفلا، ومن هذه القصص التي ساهمتُ فيها قصة مدينة العميان (دالي كمب) في الشرق الموريتاني، فما زال كلام الأطفال وهم يتمنون رؤية أهلهم ورؤية السيارة في أذني حتى الآن، وكذلك كلام أهل القرية من العميان ووصفهم ظروفَهم المعيشية، وكم فرحتُ عندما شاهدتُ حجم التفاعل مع قصتهم، وما جلبت من تعاطف معهم واستعداد لمساعدتهم عبر العالَم، وقد قيض لهم الله من سعى في التخفيف عنهم ودراسة الجين المسؤول عن هذا العمى الوراثي.

ومن القصص التي أحزنتني ثم أفرحتني، قصة طفل مشخص بمرض يشبه مرض الشيخوخة المبكرة (Progeria)، حيث كانت تبدو عليه أعراض التقدم في السن رغم أنه طفل وكان ذلك سببا في تركه المدرسة لاستهزاء زملائه وسخريتهم منه، وكذلك لم يعد يخرج للشارع لنفس السبب وكان يعيش طفولة غاية في الصعوبة، وأهله فقراء لا يستطيعون مساعدته ولا علاجه، وعندما أنتجنا القصة وبثثناها لاقت تفاعلا كبيرا، وبعد سنة أنتجنا عنه قصة وهو في النمسا حيث تكفل محسنٌ نمساوي شاهد القصة مترجمة في القسم الإنكليزي للقناة فقرر أن يتبنى قضية الطفل، وكان متبرعون آخرون قد مكنوا الأسرة من الذهاب إلى إسطنبول قبل ذلك، فرأينا الطفل يتماثل للشفاء، يلعب ويذهب إلى المدرسة بشكل طبيعي.. وهذه أكبر جائزة يمكن أن نحصل عليها عن قصة.

كما أتذكر البنت مريانا من الأردن التي كانت تعاني من الشلل، ولم يكن في استطاعة الأسرة توفير العلاج لها الذي يكلف مبالغ طائلة، وكيف أنهم صاروا يبيعون الورود لجمع المال، وبعد أن أنتجنا القصة وجدت متبرعا وتم جمع المبلغ المتبقي وسافرت إلى أمريكا لإجراء العملية..

وكذلك تلك المرأة التونسية التي تحمل ابنها المُقعد على ظهرها يوميا لحضور دروسه في الجامعة، وكيف أثر تناولُنا لها على حياتها وحياة ابنها.

ومن مزايا هذا النوع من الإعلام هو بث الروح التفاؤلية والنظرة الإيجابية للحياة في المجتمعات، وأن العالم بخير رغم كل ما يجري من حروب ومجاعات وفظائع، وإلهام المتلقين للقيام بدور إنساني مجتمعي، فعندما نشاهد هذه القدرة على التأثير الإيجابي، نتفاءل بقدرتنا أيضاً على عمل شيء للناس والتطوع للمساعدة، لتخفيف ألم، أو إنقاذ شخص، أو على الأقل المواساة، كما أنه ينشر ثقافة الإنسانية والرأفة والمسامحة فضلا عن التعريف بأهمية التبرع والتطوع.

الأمثلة كثيرة في هذه السلسلة وهي موجودة على منصات الشبكة الرقمية، وهي عندي من أهم أسباب السعادة أن تحس أنك تُحدث تأثيراً إيجابياً على كثير من الأشخاص المحتاجين، فتكون سببا في إزالة معاناتهم وتفريج كربهم، ولا شيء يعدل عندي ذلك الشعور، خصوصا أنهم أشخاص لا تعرفهم ولا تربطك بهم أية أسباب شخصية غير الإنسانية، فهم من دول وخلفيات وأعراق وثقافات متنوعة.


Comments

Popular posts from this blog

الشعر والصحافة

صفتان في بلادي تم تمييعهما حتى ارتبطتا بالطمع والفشل في الحياة للأسف، هما الصحافة والشعر! .. حتى أنني في كثير من الأحيان لا أُقدم نفسي على أنني صحفي أو شاعر حتى لا يُظنَّ بي شيء ممّا عُرف عن أصحابهما.. فعادةً أقدَّمُ على أنني مترجم..  وقد فوجئتُ أنني على اللائحة النهائية للصحفيين المسجلين لانتخاب النقيب الجديد.. إلا أنني وقد عافاني الله من "التلوث بلوبيات الصحافة وحروبهم على الفُتات" فلن أدخل ذلك   المعترك. وهنا أذكرُ أبياتاً قلتُها قديماً لمن لامني في قرض الشعر:

مختارات إمامية 1

# مختارات_إمامية  1 من رقيق الشعر اخترتُ لكم هذه السريعية ((الي ماهي متكايسة)) ولها قصة : يذكر أن أبا العتاهية وأبا نواس والحسن بن الضحاك اجتمعوا يوماً فقال أبو نواس لينشد كل واحد منكم قصيدة لنفسه في مراده من غير مدح ولا هجاء فانشد أبو العتاهية هذه القصيدة فسلّما له وامتنعا عن الإنشاد بعده وقالا أما مع سهولة هذه الألفاظ وملاحة هذا القصد وحسن هذه الإشارات فلا ننشد شيئا."وذاك هو الحزم". يا إخوتي إن الهوى قـــــاتلي***فيسروا الأكفان من عاجــل ولا تلوموا في اتباع الهــوى***فإنني ف ي شغــــــل شاغـــل عينـــــي على عتبـــة منهلــة***بدمعها المنسكب الســـائـــل يا من رأى قبلي قتيـــلا بكى***من شدة الوجد على القاتــل "قدْر من اتْمَتْميتْ" بسطت كفي نحوكم سائـــــلا***ماذا تــردون على السائـل؟ إن لم تنيلوه فقولــوا لـه*******قـــولا جميـــلا بدل النائــل أو كنتم العــــام على عســرةٍ**منـــه فمنــوه إلى قابــــــل! كأنهـــــا من حسنهـــــــا درة**أخرجها اليَمُّ إلى الساحــــل كأن في فيهــا وفي طرفهــــا**سواحــرا أقبلـــن من بابــل لــم يبق مني حبها م

مختارات إمامية 6

# مختارات_إمامية  6 نزولاً عند رغبة السادة الأدباء، الذي طلبو حلقةً عن "تمتميت" في لغن الحساني.. شخصياً يعجبني لبتيت الناقص في الغزل لاختصاره وجودته، رغم كثرة النصوص الجيدة في غيره، إلا أني سأقتصر على ما تذكرت من طريفه وبليغه محاولاً تحاشي المشهور منه: گلتیلی بغیلک***عنی ما نسمیلک وانگلل لمجیلک ***گلیلک فکتیلی ایاک نواسیلک*** ذاک الی گلتیلی (مكزوز حت) ___ ديرانك ما ينزاد ***عن سلك امن التعكاد وآن شاطني عاد ***عن جملت غيد الليْ ونعرف عنُ معتاد *** غير أملي ي انديْ نعرف عن لخلط زاد ***يتنشاو امن شوي..! (ضامنهالك) ____ گولیلی شماسیک *** ماتبغینی نسمیک گد منین انلاغیک*** ابشی ما تسمینی کیفت شی ما نعنیک *** ابشی واتواسینی مٍعافي امنین نجیک*** گولیلی یمّینی شماسینی نبغیک****وانت ما تبغینی؟! ____ یگدی لعطشْ فيَّ ** عت احریگه حيّه ونمشي في اتشطريَّ *** نسّتّلْ واسریگه ونوط فكويريه*** صبتها تخریگه وتگدی في هي ** لحریگه بزریگه عت اعميّد بيَّ *** لحریگه لحریگه ____ ﻣُﺤَﻠّﻒْ ﻑ اللجنَه**ﻋﻦ ﺣﺪ ﺍﺟﻠﺠﻦَ ﻭ ﻣﺤﻠﻒ ﻣﺎ ﻧﺠﻦَ=ﻣﻦ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺍﺑْﻨﻴﺖِ ﻭ ﻋﺎﺯﻡ ﻋﻦي ﻧﻬﻦَ=ﻣﺎ ﻧﻤﺮﯓ ﺗﻴﻜﻴﺖِ ﻭ ﻳﺎﻣﺲ ﺗﻞْ ﺍﻑ ﻣﻠﻪ=ﻭﺣﺪه فات