Skip to main content

Posts

Showing posts from September, 2019

كشكول الحياة (5).. روح القطيع!

هناك نظرية في الإعلام مفادها أن الناس يحبون دائما أن يكونوا موافقين للآخرين، في آرائهم وتصرفاتهم، لكي يكونوا مقبولين اجتماعيا، وهي حاجة يقول أصحاب علم النفس إنها متجذرة في البشر، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ويحب أن يكون مقبولا في مجموعته، ولكن هذه الحاجة البدائية قد تدفعنا من حيث لا ندري إلى أن نكون تابعين للقطيع، فتختفي شخصياتنا وآراؤنا الخاصة، ونصبح نسخا مكررة، وقد قام أحد العلماء بتجربة بسيطة، حيث رسم ثلاثةَ خطوط متفاوتةِ الطول، وطلب من مجموعة متطوعين أن يختاروا الخط الأطول، وأخبرهم أنه سيضع نقطة أمام كل خط اختاره شخص ما، من مجموعة ثانية من المتطوعين، وأعطاهم الورق فيه نقاط كثيرة أمام خط معين، وليس هو الأطول.. ولكن المتطوعين كلما رأوا أن أغلب الناس اختاروا هذا الخط اعتقدوا بدورهم أنه هو الأطول ومضوا معهم واختاروه أيضا. وقضية موافقة الأكثرية هذه تلعب عليها وسائل الإعلام وخصوصا وسائل التواصل الحديثة لأنها توهمنا أن الأغلبية مع هذا الرأي مثلا، وحتى في السياسة، تعطي بعض الجهات على هذه الوسائل في جميع استقصاءاتها بإعطاء نسبة أعلى لمرشح معين، عبر ما يعرف بجيوش "الذباب الإلكتروني" …

كشكول الحياة (4) أيها المغترب!

كشكول الحياة (4) أيها المغترب!

الحياة هي ما يحدث لنا بينما نخطط لأشياء أخرى.. أعتقد أن هذه المقولة تنطبق علينا جميعا ولكنها تظهر أكثر لدى المغتربين، فالمغترب دائما، ربما في لاوعيه، يعتقد أنه خارج الزمن، وأن الزمن سيبدأ عندما يرجع إلى وطنه، فيؤجل معظم أو كل مشاريعه وأهدافه إلى أن يرجع، وهذه الفكرة عموما موجودة لدى الإنسان في كل مرحلة من مراحل عمره، فهو إما صغير ينتظر الكبر، أو مسافر ينتظر الرجوع أو طالب ينتظر التخرج، أو عاطل ينتظر التوظيف.. وهكذا. ولا يدري معظمنا أن الحياة لا تتوقف ولا تنتظر أحدا ولا شيئا، فنحن في انتظار هذه الأشياء ننسى أن الحياة تمر سريعا، ونحن في انتظار شيء ما حتى نبدأ الحياة ولكن أغلبنا لا ينتبه إلى هذه القضية مبكرا، فهو يمضي من طالب ينتظر انتهاء الدراسة، إلى عاطل ينتظر الوظيفة، إلى موظف ينتظر الترقية، ثم الزواج والأولاد ثم فجأة يجد الشباب والحياة عموما مرت بين يديه! وبالنسبة للمغترب فالحالة أشد لأنه دائما يؤجل الحياة إلى أن يحصِّل المال ويعود، وهذا في نظري أكبر خطأ، فحتى لو حصل المال تكون الحياة قد فاتته، كما أنه في هذه الدوامة قد لا يحصل ما يكفي أو ربما لا يعرف م…

كشكول الحياة (3) .. مع القشيري (2)

كشكول الحياة (3) .. مع القشيري (2)

... تابع للمقال الأول...رغم أن التصوف غالبا ما يكون ملازما للتدين، لكنه يحافظ على استقلالية تميزه عن رجل الدين والفيلسوف العقلي أيضا. مدار الصوفي هو الخَلق وراحتهم وحبهم، بخلاف مدار رجل الدين، الذي غالبا لا يحب غير من يدور في فلكه ويخضع لقراراته، إلا إذا خرج من حكم الطائفة محلِّقاً في فضاء العرفان أو متأثرا بفلسفة إنسانية يقوم بتأويل تدينه من خلالها. المتصوف يتسامح مع الناس ويشدد على نفسه، وفي رواية صوفية لأبي علي الدقاق: (أن شابا أخرجوه من محلةٍ لفساده، فرأى القطب أمه تبكي، فقام واستشفع له عندهم لخاطرها. وطاف بعد أيام ووجدها تبكي. فسألها: هل أخرجوا ابنك لفساده من محلةٍ ما؟ قالت: لقد مات. فقال: وما حاله وقتها؟ قالت: قال لي لا تخبري الجيران فإنهم يشمتون بي ولا يحضرون جنازتي، وأعطاني خاتما كتب عليه "بسم الله" لأدفنه معه. فنفذت الوصية. وعندما همت بالبكاء على القبر سمعت هاتفا منه يقول: اذهبي يا أمي فإني مع رب كريم). ورأى محمد الثقفي في منامه رجلاً فيه من أحوال النساء -مخنّث- احتقره الناس، فكان يقول: (غفر الله لي باحتقار الناس إياي). أما حمدون ا…

كشكول الحياة (2).. السلام الداخلي / محمد ولد إمام

كشكول الحياة (2).. السلام الداخلي / 
أي شيء ثمنه سلامك الداخلي لا يستحق!عرفتُ أشخاصا كثيرين يرون الحياة جهادا دائما لتحصيل المال والمكانة، غالبا على حساب الأشياء الصغيرة المهمة مثل العائلة، الأصدقاء، تثمين التجارب الحياتية بدل المقتنيات، وهؤلاء الأشخاص يجنون على أنفسهم أكبر جناية وأعظمها، ولست هنا بصدد القول إن المال غير مهم، ولكن جعلَه محورَ حياتنا وقيمتنا هو الخطأ بعينه، فيكفي من المال ما يغنينا عن الغير، أي الكفاف وما زاد عليه زوائد لا قيمة لها، وفي الأثر عن الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام،  بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، وأتذكر أنني قرأت أن أحد الفلاسفة اليونان الأقدمين دخل سوقا عامرة في أثينا مع بعض تلامذته، فانبهروا بتنوع وجودة المعروض من البضائع، وقالوا له: ما أكثر ما نحتاج من هذه الأشياء، فقال الفيلسوف الحكيم، بل ما أكثر ما نحن في غنى عنه!فالغنى عن الشيء لا به، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول:ذكر الفتى عمرُه الثاني، وحاجتُه ما قاتَه، وفضولُ العيش أشغالُ.فما يحتاجه الإنسانُ هو قوته وكفافه، والباقي أشغال وزوائد..وفي عصرنا الحالي استفحلت خطورة حب التملك وأصبح ظاهرة تُدرس تحت اسم (co…

كشكول الحياة (1) .. مع القشيري (1)

كشكول الحياة (1) .. مع القشيري (1)

منذ سنوات قمت بنشر رحلتي مع الرسالة القشيرية في التصوف، وهو كتاب أنصح به جداً فقد أثر فيّ شخصياً تأثيراً كبيرا. وقد حوى هذا الكتاب من اللطائف ما جعلني أطرق تفكّرًا وتأمّلًا.. في العديد من الاقتباسات والوقفات.. فهو كتاب لطيف وعميق. أثراني النقاش حول الكتاب.. وأضاف للرسالة أبعادًا أخرى، وإسقاطات واقعيّة نحتاجها. فهو فعلا يستحق المطالعة حيث يرى المؤلف أنه في عصره بدأ الشيوخ الذين يتبعون طريق التصوف مع العلم الشرعي بالاندراس وبدأ الجهل والاستخفاف بأوامر الشريعة وقلة المبالاة بالمحرمات يظهر على متبعي هذا الطرق يقول القشيري:  "ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق، تجري عليهم أحكامه، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب أو لوم، وأنهم لو كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائي عنهم سواهم فيما تصرفوا بل صُرفوا" وبسبب ذلك…