Tuesday, September 5, 2023

مقال رحلتي مع AJ+

 



نص المقال:
"أصبح عالمنا اليوم أكثر تنوعاً، ومن مسؤولية غرفة الأخبار أن تعكس ذلك، بل يمكن أن يؤدي عدم مراعاة ذلك إلى ترك المؤسسات الإخبارية خلف ركب التطور.

كما أن ظهور منصات الأخبار التي ينشئها المستخدمون - والتي غالباً ما تتفوق على المنصات التقليدية في جذب جماهير جديدة - يبرز خطر عدم تلبية احتياجات شرائح الجمهور المتنوعة.
تشير اتجاهات نمو الجمهور في منصات الأخبار التي ينشئها المستخدمون مثل Blavity وOutlier إلى أن الجيل الجديد من القراء يريدون محتوى يعكس تجاربهم ووجهات نظرهم.

ويعد الحرص على تنوع القوة العاملة وتوفير محتوى شامل أمراً ضرورياً لاستمرارية أي مؤسسة إعلامية. هذا هو السبب الذي جعلني أشعر بسعادة خلال أول احتكاك لي بمؤسسة الجزيرة، وأتذكر جيداً ذلك المساء من صيف 2016 حيث علمت أن هناك فرصة - ربما - في فرع جديد لشبكة الجزيرة الإعلامية في قطر.. تحديداً المنصة الرقمية الجزيرة بلس.
كنتُ - ساعتها - في الدوحة أعد ملف الالتحاق بوكالة الأنباء القطرية بعد أن نجحت في امتحانها للمترجمين بين اللغتين العربية والإنجليزية.

 

تشير اتجاهات نمو الجمهور في منصات الأخبار التي ينشئها المستخدمون مثل Blavity وOutlier إلى أن الجيل الجديد من القراء يريدون محتوى يعكس تجاربهم ووجهات نظرهم.

 

قررتُ أن أتواصل معهم وأخوض هذا الغمار. قدمت ملفي، وحددوا لي وقت الامتحان، أذكر أنه كان من 8 صفحات.. منه التحريري ومنه الترجمة في وقت قصير..
أتذكر ذلك الشعور عندما دلفت إلى كواليس هذه الشبكة التي ينطق كل ركن فيها وكل وجه بقصة تميز وتفرد.. هل هؤلاء فعلاً هم أولئك الصحفيون الذين طالما تابعناهم على الشاشة بلحمهم وشحمهم كما يُقال؟ إن جيلي والأجيال اللاحقة تربت على أن تكون الجزيرة معنا كشعوب في كل اللحظات الفارقة الحرجة من تاريخنا الحديث، وما أكثر تلك اللحظات، من حروب إلى ثورات.. فضلاً عن الدور التثقيفي التنويري وفتح النقاش والحوار الجريء في مناطق ومحاور كانت قبلها من التابوهات المحرمة. 

كان جو أجي بلس مختلفاً حتى عن باقي أفرع الشبكة (القناة العربية، الوثائقية، الإنجليزية، الجزيرة نت..) فكان لها طابعها الخاص ونكهتُها الخاصة، فهي من حيث الأقسام تتضمن القسم الأصلي وهو الإنجليزي، والقسم العربي ثم بعد التحاقي بها افتُتح القسمان الإسباني والفرنسي.. ولعل أول ما لاحظت هو ذلك التنوع العرقي واللغوي فهنا تقريباً كل الجنسيات العربية وغيرها، فتجد اللبناني إلى جنب المغربي، والفلسطيني إلى جنب الجزائري، والهندي مع البريطاني والموريتاني من أقصى الغرب العربي مع العُماني من أقصى الشرق العربي!

 

إن جيلي والأجيال اللاحقة تربت على أن تكون الجزيرة معنا كشعوب في كل اللحظات الفارقة الحرجة من تاريخنا الحديث.

ورغم أن اللغة السائدة بين الأقسام المختلفة هي الإنجليزية فأصبحت هي (lingua franca) كما يقولون.. فهذا المكسيكي يتحدث مع الفرنسي بها، وذلك الموريتاني يتحدث بها مع الإسباني. إلا أن ذلك لم يؤثر على حضور اللغة العربية والاهتمام بها وبسلامتها في المواد التي تُنتج بها طبعا.
وقد لفت انتباهي الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، ومنه الاهتمام بسلامة اللغة - أي لغة - بنيوياً وأسلوبياً، ولعل ذلك ناتج عن كون المديرة المسؤولة هي نفسُها مترجمة وتجيد عدة لغات ولها كتابات أدبية معروفة.
وفي هذا الجو المتنوع تنمو أفكار التعايش والتقبُّل والانفتاح على الثقافات الأخرى، وملاحظة خصوصياتها وجمالياتها بعد انكشاف غشاوة المحلية والتقوقع والأحكام المسبقة التي يرى أصحابُها الأغيارَ بصور نمطية غالباً لا علاقة لها بالواقع.

والتنوع في غرف الأخبار أيضاً يخلق وجهات نظر مختلفة؛ حيث تعد غرفة الأخبار المتنوعة ضرورية للمؤسسات الإعلامية التي تفخر بتقديم قصص معقدة مدروسة جيداً وتستكشف وجهات نظر وأصوات مختلفة. يجب أن يكون المحتوى الإخباري الذي توفره وسائل الإعلام انعكاساً دقيقاً للمجتمع المتنوع الذي تخدمه على هذا النحو، ولكي نعكس هذا المجتمع، نحتاج إلى التأكد من تمثيل الصحفيين من مختلف الثقافات والأديان والأجناس.

ولا يقتصر الأمر على تقديم وجهات نظر مختلفة ومن منظور مختلف، بل تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى التأكد من أن ثقافة غرفة الأخبار الخاصة بها تعكس المحتوى الإخباري المتنوع الذي تنتجه، وإلا فقد يشكك الجمهور في مصداقيتها.

وهناك أيضا تفادي الأخطاء الحساسة ثقافياً؛ فبغض النظر عن خلفيتهم، يجب أن يكون جميع الصحفيين أكثر من قادرين على الإبلاغ بموضوعية عن القصص التي تستكشف وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرهم. ومع ذلك، فإن نقص المعرفة أو التحيز اللاواعي قد يؤدي ببعض الصحفيين إلى إنتاج تقارير غير ملائمة ثقافياً.

ولكي أكون واضحاً، لا أقترح أن يكتب فقط الصحفيون الذين لديهم صلة شخصية بقصة إخبارية عن هذا الموضوع. ومع ذلك، فإن وجود فريق متنوع من الصحفيين يمكنهم المساعدة في مراجعة محتوى الأخبار، يمكن أن يقلل من فرصة حدوث أخطاء قد تضر بالعلامة التجارية للمؤسسة.
ففي عدة قصص أنتجناها قمتُ شخصياً بتنبيه المنتجين من المشرق العربي إلى خصوصيات وتفاصيل متعلقة ببلدي وبالمغرب العربي إجمالا ربما لا يعرفها الكثير من الإخوة في المشرق، مثل قضايا الأعراق والقضية الأمازيغية.. وحتى المصطلحات اللغوية التي شاعت في المغرب العربي مثل الكراء بدل الإيجار والإشهار بدل الإعلان وغير ذلك، فضلا عن الحساسيات السياسية التي لا يعرفها إلا أبناء المنطقة، فتفادينا بفضل التنوع الوقوع في أخطاء كثيرة.. والأمر نفسه ينطبق على منتجي المغرب العربي عند إنتاج قصص عن المشرق وهكذا..

وفي المجال العالمي - كمثال على ذلك - كان على صحيفة الغارديان أن تصدر اعتذاراً عن خطأ استخدامها صورة مغني الراب البريطاني كانو عند الإشارة إلى وايلي. كان الأخير في ذلك الوقت قيد التحقيق بسبب تعليقات معادية للسامية. على الرغم من ادعاء الصحيفة أن هذا كان "خطأ صريحاً"، إلا أنها أثارت نقاشات عبر الإنترنت بشأن عدم وجود تنوع في غرفة الأخبار. لاحظ العديد من الصحفيين من المجتمعات المهمشة أن غرفة التحرير الأكثر تنوعاً ستكتشف الخطأ قبل نشره.

فكانت بيئة العمل وحدها مصدراً للمعرفة والتعلم، ليس فقط للغات، بل للثقافات والعادات وغيرها.

 

التنوع في غرف الأخبار أيضاً يخلق وجهات نظر مختلفة؛ حيث تعد غرفة الأخبار المتنوعة ضرورية للمؤسسات الإعلامية التي تفخر بتقديم قصص معقدة مدروسة جيداً وتستكشف وجهات نظر وأصوات مختلفة.

 

وبعد قليل بين هذه الكوكبة المتنوعة لم أعد أحس أن هذا مكان عمل وأن هؤلاء زملاء وأن تلك إدارة! أصبحت هذه عائلة وأصدقاء، وأصبح المكان أكثر حميمية.. حتى عامل المقهى الذي يدور عليها بالمشروبات في المكاتب أصبح جزءاً من عائلة العمل، وكنا نجمع له آخر كل شهر معونة نقدية، إنه ذلك الهندي الهادئ البشوش المتقن لفن تحضير الكرَك خصوصاً، إنه محمد علي "باشا" الهندي.
ومن ناحية الإنتاج والإسهام في تثقيف وإخبار جمهور أجي بلس، فالحديث يطول وقد كتبتُ منذ مدة عن الجانب الإنساني في قصصنا والتي صنعت، وتصنع، الفرق في حيوات كثيرين، خاصة سلسلة "قصة إنسان" التي أسهمت في إيصال أصوات الضعفاء والمهمشين وساعدت في تخفيف معاناتهم ونشر ذلك المقال في مجلة الصحافة الصادرة عن معهد الجزيرة للإعلام (1).
كما كان لمنصتنا دور ريادي في تبسيط اللغة الفصحى وتقريبها من الجمهور الشاب حيث نحرص على سلامة اللغة في المنتج النهائي سواء كانت مكتوبة أو مسموعة أو مصمَّمة "غرافيكس"، كما كان علينا في كثير من الأحيان أن نعرِّب المصطلحات الجديدة التي تردنا في المصادر، وجمعنا هذه المستجدات فنَمت حتى صارت معجماً صغيراً للمصطلحات في شتى العلوم وهي خدمة ربما قصرت عنها بعض الجهات المسؤولة عن تطوير وتنمية وعصرنة لغتنا العربية..
وبالمشاركة مع الأقسام باللغات الأخرى، فقد أدّت منصتنا دوراً ريادياً في إيصال الصوت العربي ووجهة النظر العربية للعالم، كما كنا لسان المهمشين والمظلومين، من الشباب العربي تحديداً. أو مَن يطلق عليهم "الألفينيون" Millennials.

  إنها مشروع ثقافي وإعلامي رقمي رائد في منطقتنا وكما غيرت قناة الجزيرة، الأم، العالم العربي التلفزيوني، فإن أجي بلس، الابنة، ستساهم في تغيير العالم العربي الرقمي."

Featured Post

سبعٌ عجاف

ابْيَـضَّـت العينُ من حزنٍ على وطنٍ يُـطـارِحُ الحزنَ مــأســـاةً بِمـــأســاةِ سـبـعٌ عِـجـافٌ ولا عامٌ نـغــــاثُ به فأيـنَ يوسـفُ؟ أين...